المستنصرية مدرسة عريقة أسست في زمن العباسيين في بغداد عام 1233 على يد الخليفة المستنصر بالله، وكانت مركزا علميا وثقافيا هاما. تقع في جهةالرصافة من بغداد.
شيدت “المستنصرية” على مساحة 4836 متراً مربعاً تطل على شاطئ نهر دجلة بجانب “قصر الخلافة” بالقرب من المدرسة النظامية، وكانت تتوسط المدرسة نافورة كبيرة فيها ساعة المدرسة المستنصرية العجيبة، وهي ساعة عجيبة غريبة تعد شاهداً على تقدم العلم عند العرب في تلك الحقبة من الزمن تعلن أوقات الصلاة على مدار اليوم.
وتتألف المدرسة من طابقين شيدت فيهما مائة غرفة بين كبيرة وصغيرة إضافة إلى الاواوين والقاعات.
تدل بنايةالمدرسةالمستنصريةوزخارفهاعلىمدىالتطورالمعماري الذي وصل إليه كمال البناء في الزمن العباسي وخاصة الرسوم الزخرفية الموجودة على جدران وأروقة المدرسة المستنصرية وخاصة في المسجد في داخلها حيث استغل المعماريون العباسيون الموقع الجيد في إنشاء المسجد وخاصة السقف الذي بني على شكل قبة ومن دون إدخال حديد التسليح في عمله.
وإن هذا الموقع المميز يتيح الاستفادة من الصحن في تأدية الصلاة عندما يضيق بيت الصلاة بالمصلين.
وتحتوي المدرسة المستنصرية على غرف كثيرة بنيت في طابقين وتحيط بالصحن ويبلغ عدد حجرات الطابق الأول (40) حجرة والثاني (36) حجرة.
وقد راعى البناؤون في ذلك العصر الحجم والمساحة للغرف إضافة إلى الشرفات الخارجة من هذه الغرف والمطلة على الصحن وأماكن التهوية ودخول الشمس وكل ذلك يدل على براعة الصناع العاملين في بناء المدرسة.
كما أن المسناة الممتدة على طول شاطئ دجلة المحاذي للمدرسة المستنصرية تدل على بعد نظر المهندسين الذين صمموا بنايات المدرسة لأن تلك المسناة قد استخدموها كطريق او ممر يسير عليه الناس.
وإضافة إلى الطريق النهري الذي استخدم للتنقل من وإلى المدرسة والحكمة الهندسية في إقامة المسناة هي لإسناد وحماية البناية من فيضان نهر دجلة حيث تم بناؤها بمادة الآجر وهي سميكة بما يؤمن تلك الحماية للمدرسة.
وكذلك تدل الزخارف المتنوعة على ذوق فني رفيع، كما أنها تشير بوضوح إلى مدى النظام والتطور الذي حدث على الزخارف في تلك الفترة التاريخية سواء كان ذلك في صناعتها أو في الأشكال الزخرفية نفسها.
ويصعب الآن تقليد تلك الزخارف بشكلها الأصلي، وخاصة لو علمنا أنها مصنوعة من قطع الآجر “الطابوق” وهو المادة المستعملة في البناء والمتوافرة في منطقة بغداد وبنوعية جيدة. وقد استطاع المعمار البغدادي الاستفادة من خصائص هذه المادة وتمكن من عمل أشكال متنوعة سواء من اختلاف أوضاع قطع الآجر نفسها أو نحتها وتقطيعها إلى أشكال متنوعة وبأحجام متباينة وفق خطة هندسية محكمة الصناعة تؤلف في مجموعها الشكل الزخرفي المطلوب، إضافة إلى حفر الزخارف على الآجر فيؤلف الاختلاف بين مستوياتها تباينا بين الضوء والظل يحقق وضوحاً وتجسيماً للعناصر الزخرفية.
وقد استعملت الزخارف الهندسية بكثرة في بناية المستنصرية ، وهي ذات أشكال متنوعة يعتمد معظمها على الدائرة وأقطارها وقد تم تنسيق هذه الأنواع من الزخارف الهندسية بطريقة تساعد على بسطها في مختلف المساحات والسطوح المعدة لها.
وأما الزخارف النباتية الشكل فنجدها في الغالب موضوعة داخل مساحات هندسية كالنجوم والمضلعات وأحياناً تظهر فوق أرضية الكتابات وبين حروفها.
وقد أدى التطور المستمر لهذه الزخارف النباتية إلى ظهور نوع من الزخرفة العربية الإسلامية تسمى (أرابسك).
وقد استطاع الفنان العربي أن يرتب تلك العناصر وخاصة في نقوش المدرسة المستنصرية القديمة ترتيباً جديداً مبتكراً وأن يخرجها بتنسيق فني رائع ويضيف عليها الطابع الاسلامي، فكانت هذه الزخرفة ابتكاراً عربياً إسلامياً أصيلاً في أساس تكوينة وفكرته.
أقسام المستنصرية
كانت المدرسة جامعة إسلامية كبرى تدرس فيها كل العلوم المعروفة في ذلك الوقت إضافة إلى تدريس فقه المدارس المذهبية الأربعة، وكان للمدرسة نظام دقيق لتحديد عدد المدرسين والطلاب الذين تستوعبهم المدرسة، وكانت الدراسة على نفقة الدولة.
وفي المدرسة أقسام عديدة للدراسة فإضافة إلى أقسام الدراسة هناك أقسام خدمية منها المخزن الذي يحفظ فيه المواد القرطاسية والأطعمة وهناك حمام ومزين (حلاق) للطلبة، إضافة إلى المطبخ الخاص للطعام.
وفي مدخل المدرسة المستنصرية أقيمت الساعة العجيبة التي أوردت أوصافها بعض المراجع العربية وكانت الساعة تعمل لإرشاد الناس على أوقات الصلاة وتعمل ليلاً ونهاراً وبأسلوب علمي متطور مما يدل على مدى ما وصل إليه العلماء العرب من تطور في ذلك الزمان.
وأكد: أن المدرسة قد أصابها الإهمال مما أدى إلى تصدع البناية وخاصة في زمن العثمانيين واستمر إلى سنة 1940 حيث كانت المدرسة عبارة عن خان كبير للقادمين إلى مدينة بغداد ويسمى (مسافر خانة) وهي كلمة تركية.
وكان هذا الخان محطة استراحة للمسافرين وخاصة العاملين في الوسائط النهرية للنقل و كان هؤلاء العاملون على هذه المركب جعلوا محطة استراحتهم في ذلك الخان والمسمى المدرسة المستنصرية.
وبعد سنة 1940 استطاعت دائرة الآثار استعادة المدرسة المستنصرية وإعادة صيانتها وقد تجددت هذه الصيانة في سنة 1960 التي استهدفت إعادة أكبر قدر من بناية المدرسة إلى حالتها الأصلية لأن البناية تأثرت بالمياه الجوفية نظرا لوقوعها على ضفاف نهر دجلة بسبب انخفاض مستوى أراضيها بالنسبة للسوق المجاور لها، وهذا أدى إلى تعرضها إلى الرطوبة التي أخذت تؤثر في جدرانها وزخارفها، لذلك باشرت دائرة الآثار والتراث بحملة لإعادة صيانة المدرسة وتخطيطها الذي كان معمولاً به في زمن نشأتها. وشملها التوسع لتصبح مساحتها حوالي 4836 متراً مربعاً كما قامت دائرة الآثار والتراث بتأهيل الصحن المكشوف وهو على شكل مستطيل طوله (62.40) م وعرضه 27.40 متر إضافة إلى إعادة صيانة وإكساء بيت الصلاة (مسجد المدرسة). وكل هذه الأعمال جرت بآجر أصفر اللون جيد الصناعة ليعيد للمدرسة تاريخها وأصالتها القديمة وإنقاذها من العبث والتصدع الذي أخذ بالانتشار في أروقة أبنيتها.
خط عربي منقوش على جدران المدرسة
مكتبة المدرسة المستنصرية
كانت المكتبة زاخرة باعداد ضخمة من المجلدات النفيسة والكتب النادرة. وبلغ تعدادها 450 الفا وتعد مرجعاً للطلاب. كما قصد المكتبة الكثيرون من العلماء والفقهاء وترددوا عليها وافادوا من كنوزها العلميةوالأدبية نحو قرنين من الزمن. وقد نقل الخليفة نفائس الكتب من مختلف العلوم والمعارف ما يقدر بـ80 الف مجلد بحسب الصنوف.
اختيار الطلاب
يتم اختيار الطلاب من المدارس المختلفة ومن الذين اشتهروا بالتأليف والتصنيف والتدريس من مختلف المدن العراقية والبلدان الإسلامية كالأندلس ومصر وقوينة والشام وأصفهان وخراسان.
الدراسة في المدرسة المستنصرية
مدة الدراسة في المستنصرية عشرة اعوام وتضم اقسام علوم القرآن والسنة النبوية والمذاهب الفقهية والنحو والفرائض والتركات ومنافع الحيوان والفلسفةوالرياضيات والصيدلة والطب وعلم الصحة، وهي أول جامعة إسلامية جمعت فيها الدراسة الفقهية على المذاهب الاربعة (الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي) في “مدرسة واحدة” اما المدارس الفقهية التي قبلها فأختصت كل واحدة منها بتدريس مذهب معين من هذه المذاهب. وبعد انتهاء الدراسة يمنح الطالب شهادة التخرج التي تؤهله التوظف في دواوين الدولة.
• ظل التدريس قائما في الجامعة المستنصرية أربعة قرون منذ ان أفتتحت في سنة (631 هـ/1233م) حتى سنة (1048 هـ/1638م)، وان تخلل ذلك فترات انقطاع، كانت الأولى في أثناء الاحتلال المغولي لبغداد سنة (656 هـ/1258م) وتوقفت الدراسة فيها قليلاً، ثم عاد إليها نشاطها من جديد؛ حيث استؤنفت الدراسة في نفس السنة، وظلت الدراسة قائمة بالمستنصرية بانتظام بعد سقوط بغداد نحو قرن ونصف من الزمن.
• توقفت الدراسة بها وبغيرها من مدارس بغداد؛ بسبب تدمير تيمورلنك لبغداد مرتين الأولى سنة (765 هـ/1392م) والأخرى في سنة (803 هـ/1400م)؛ حيث قضى تيمورلنك على مدارس بغداد ونكل بعلمائها وأخذ معه إلى سمرقند كثيراً من الأدباء والمهندسين والمعماريين، كما هجر بغدادعدد كبير من العلماء إلى مصر والشام وغيرها من البلاد الإسلامية، وفقدت المستنصرية في هذه الهجمة الشرسة مكتبتها العامرة، وظلت متوقفة بعد غزوتيمورلنك نحو قرنين من الزمن حتى أفتتحت للدراسة عام (998 هـ/1589م)، ولكن لم تدم طويلا فعادت وأغلقت أبوابها عام (1048 هـ/1638م)، ومن ثم فتحت مدرسة الآصفية في مكانها، وكانت مدرسة الآصفية من مرافق المدرسة المستنصرية، وجدد عمارتها الوزير داود باشا والي بغداد في عام (1242 هـ/ 1826م)، وسميت بالآصفية نسبة إلى داود باشا الملقب بآصف الزمان.
صيانة المدرسة المستنصرية
استعادت دائرة الآثار العراقية ملكية المدرسة المستنصرية عام 1940م.
• أجريت أول أعمال صيانة للمدرسة 1960م.
• الصيانة الثانية كانت في 1973م.