المدينة الرقمية الكورونية

المدينة الرقمية الكورونية

فيصل حميد

ما هو تأثير كرونا على المدينة والعمارة؟ نحن لا نعلم مستقبل إيجاد لقاح او تطوير ادوية للعلاج، فهذه بعلم الغيب، لذا فتأثير الابتعاد الاجتماعي على المدينة والعمارة لا يمكن التكهن به لأننا لا يمكننا التكهن بمدى استمراره، والتاريخ يعلمنا ان ان الأوبئة مهما كانت قوية فأنها في النهاية تضعف وتذوي وتنتهي. ولكن اعتقد ان اهم تأثير لكرونا على العمارة والمدينة هو دفع العالم الى تجربة والإسراع في الدخول في العصر الرقمي وبشكل واسع!

سنين ونحن نسمع عن المدينة الرقمية والمجتمع الرقمي والمدارس الرقمية والعمل الرقمي من البيت، ولكن خلال السنين الماضية لم يتحقق من كل ذلك الكثير رغم توفر البنية التحتية وسهولة التعامل مع التكنولوجيا، حيث الكثير من الاعمال تتردد في الانتقال الى العصر الرقمي متشبثين بمبدأ أهمية العلاقة الإنسانية بين العاملين، والحقيقة لم يحدث سوى التوسع في التسوق الرقمي (اون لاين) ولأنواع معينة من البضائع، الى ان جاءت كرونا.

ويبدو ان كرونا وفرت لأغلب الاعمال التي هي مكتبية بالأساس، وكذلك للجامعات ولكثير من المدارس وبمختلف المستويات، وفرت الفرصة الى تجربة العمل في العصر الرقمي مجبرتا، وبشكل واسع وجاد، ولم يكن لهذا ان تحدث بالأساليب المعتادة بالإعلان او بتوفير المحفزات الى هكذا تجربة. واعتقد ان الكثير من الاعمال وحتى الجامعات والدارس، ستستمر باستخدام العمل والدراسة عن بعد، بعد ان أجبرت على تجربته، ليس بالضرورة لكل اجزاء العمل او الدراسة، ولكن لجزء كبير منها، لما في ذلك من توفير كبير في المصروفات ومرونة العمل. وقد ينتج عن ذلك انتفاء الحاجة الى الكثير من ابنية المكاتب وتغير في معايير تصميم ابنية المكاتب او ابنية الجامعات والمدارس. وقد يكون لذلك تأثير على التخطيط الحضري وبالخصوص على انظمة النقل حيث العمل من البيت يتوسع ومن ثم التواجد في المكاتب لن يكون بأوقات محددة واختفاء مشاكل النقل في ساعات الذروة. واهمية ما يسميه المخططون (منطقة الاعمال المركزية) تصبح من قصص التاريخ.

والشيء الاخر والاهم هو التوسع الهائل بالتسوق الرقمي، ليس لمواد معينة كالأجهزة وبعض الالبسة، ولكن لكل شيء حتى البقالة والطعام الجاهز. وانا واحد من الناس الذين قاموا بالتسوق الرقمي لمواد البقالة والخضر والفواكه لأول مرة، والحقيقة ندمت عن عدم استخدام هذا الأسلوب في السابق، ليس لسهولة الامر حيث يأتي كل شيء لباب البيت في الوقت الذي تحدده، ولكن لأسباب أخرى كثيرة منها توفر المعلومات المفصلة حول المنتجات المختلفة وبدائلها واسعارها لذا فيمكن تجنب الاندفاع لشراء مواد قد لا تكون لها حاجة او تحتوي مواد لا تريدها.

وفي السنين الأخيرة عانت مراكز التسوق من توسع التسوق الرقمي في شرائح اجتماعية معينة، مما أدى الى غلق بعضها في أوروبا وامريكا. ومع التوجه ولمختلف شرائح المجتمع الى التعود على التسوق الرقمي، فقد ينذر ذلك بنهاية الكثير من هذه المراكز. وماذا عن شوارع التسوق في مراكز المدن؟ هذه الأخرى تأثرت في السنين الأخيرة بالتسوق الرقمي وسيزداد التأثير وستفقد الكثير من محلات بيع البضائع. وماذا سيحل محل هذه المحلات؟

يبدو ان اهم تأثير لكرونا على العمارة والمدينة هو تغير طابع مراكز المدن حيث دفعت كرونا الى الإسراع في دخول الكثير من المترددين الى عصر المدينة الرقمية، وستفقد مراكز المدن زحام ساعات الذروة حيث السيارات والحافلات والقطارات محشوة حشوا بالعاملين المتأنقين يهرولون الى مكاتبهم صباحا او الى بيوتهم مساء. وستحتوي مراكز المدن على نسبة اقل من الاعمال والمكاتب، وقد تتحول الكثير من ابنية الاعمال والمكاتب الى ابنية سكنية وفنادق سياحية، ومع هذا التحول ماذا سيحل بشوارع التسوق الغالية في القيمة الايجارية والتي ستفقد الكثير من محلات البضائع؟ فهذه قد تتحول الى شوارع ترفيهيه سياحية لمطاعم ومقاهي رخيصة الثمن ومحلات تهدف السوق السياحية لورش الصناعات والفنون يدوية، مثلا.

قد تكون الصورة التي ارسمها حالمة، ولكن الصورة المرفقة هي لاحد مراكز التسوق المغلقة في ضواحي المدن الامريكية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *