العشائر

مقدمه :
العشائرية هي الميزة الاساسية لمكونات المجتمع العراقي فالعراق ومنذ القدم تشكل من مجموعة عشائر فكان تأريخها تأريخ العراق ومنذ الفتح الإسلامي للعراق ازدادت العشائر العربية فيه وان غالبيتها شيعية وقد بلغت ذروتها أبان حكم أمير المؤمنين عليه السلام واتخاذه الكوفة عاصمة له، والمتأمل في المعارك التي خاضها العراقيون مع أمير المؤمنين كما في معركة صفين يجد الأمر جلياً واضحاً بل ان المؤرخين يذكرون عبارة: (أهل العراق في قبال أهل الشام).
ميزة عشائرية:
العشائر الشيعية ليس في العراق فقط بل بشكل عام وكما هو معروف بسكنها الحواضر وكذلك الارض الخصبة فالشيعة لا يوجدون إلا حيث يوجد الماء والزرع، ففي الخليج لم ينتشر التشيع إلا في البحرين، وفي الجزيرة العربية كانت المناطق ذات الغلة الزراعية هي مناطق شيعية: كالقطيف والطائف والأحساء، وفي اليمن استقر الشيعة في الشمال، بينما يخلو الجنوب المقفر منها.كذلك فإن القبائل العربية التي اتجهت إلى الكوفة واستقرت فيها كانت أولى القبائل الشيعية ثم انتشر نطاق التشيع رويداً رويداً حتى اقصى نقطة من العراق.كذلك فإن بعض القبائل السنية التي نزحت إلى العراق من مواطنها في البادية الجنوبية قد تأثرت بالقبائل الشيعية وبالدعاء المخلصين فاعتنقت مذهب أهل البيت عليهم السلام، يذكر أحد الكتاب العراقيين ان المؤرخين ذكروا ان معظم القبائل المعروفة التي اعتنقت التشيع مذهباً كانوا يطلقون عليهم لفظة الرافضة ومنها الخزاعل التي تشيعت منذ أكثر من 160 سنة وزبيد منذ 70 سنة وكعب منذ اكثر من 100 سنة وربيعة منذ أكثر من 70 سنة.أما القبائل الأخرى المعروفة أمثال: آلبومحمد، بني عمير، الخزرج، شمر، طوجة، الرفافعة، بني لام، آل أقراع، آل بدير، عفك، الجبور، السليحات، فإنها اعتنقت المذهب الشيعي أيضاً ولكن لا يعرف على وجه التدقيق كما يقول عبد الله النفيسي التأريخ التي تم فيه اعتناقهم هذا المذهب.

الظواهر السلبیه فی العشائر العراقیة
1 – ظاهرة العصبية القبلية
فالعشائر في هذا الزمان تعيش حالة من العصبية القبلية وحمية الجاهلية فالفرد الواحد من العشيرة او القبيلة يتعصب لعشيرته وتدفعه الحمية الى مناصرة ابن عشيرته ومساندته على غيره من افراد عشيرة اخرى حتى ولو كان ذلك الشيخ ظالما الا انه يقوم بنصرته حمية وتعصبا على حساب الحق والهدى مع كونه مخالفا لما اراده الاسلام من نبذ الحمية والتعصب , فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم انه قال : من كان في قلبه حبة من خردل من عصبية بعثه الله يوم القيامة مع اعراب الجاهلية ) / الكافي ج2 ص308.

2 – ظاهرة التفاخر بالانساب
حيث صار اليوم التفاضل بالعشيرة والاهل على حساب الدين والتقوى , فواحد يقول انا من بني فلان والاخر يقول انا من العشيرة الفلانية المعروف عنها كذا وكذا ….. الخ , مما يجعله ينظر الى غيره من افراد العشائر نظرة احتقار من باب الاستعلاء والاستكبار على اساس اكرم منهم نسبا وافضل منهم عشيرة وكأنما نسي قوله تعالى:اذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين والزمهم كلمة التقوى وكانوا احق بها واهلها وكان الله بكل شيء عليما /الفتح 26 . ومع انها من اعمال الجاهلية التي نهى عنها الاسلام . فقد ورد عن امير المؤمنين عليه السلام انه قال : (فالله الله في كبر الحمية وفخر الجاهلية فانه ملامح الشنآن ومنافخ الشيطان اللاتي خدع بها الامم الماضية والقرون الخالية …. مستدرك الوسائل ج12 ص92 ./ كما ورد عن الامام الباقر عليه السلام : ثلاثة من اعمال الجاهلية الفخر بالانساب/ بحار الانوار ج55 ص315
هذه الخصلة من التفاخر بالانساب والتباهي بها قد تقف عائقا امام الانسان على طريق تهيئته لنفسه واستعداده لقيام الامام المهدي عليه السلام , وقد تقعد به عن الالتحاق بدعوته الميمونة المباركة لأنه يقع في ما وقعت به قريش وغيرها من القبائل في رفض دعوة النبي صلى الله عليه واله وسلم لأن من تبعها هم في اغلبهم من عامة الناس والطبقات الفقيرة منهم وليسوا من علية القوم , قال الله تعالى:فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك الا بشر مثلنا وما نراك اتبعك الا الذين هم اراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين /هود 27.
ثم ان الشخص الذي لديه هذه النزعة من التفاخر وحب الانا قد لاتسمح به نفسه ولا تطاوعه على ان يقوده شخص اقل منه في النسب والعشيرة او المكانة الاجتماعية وقد يكون هو تحت امرته لا سيما ان اصحاب الامام المهدي عليه السلام على مرتب ودرجات فمنهم النقباء الاثنى عشر وفيهم الثلاثمائة وثلاث عشر عدة اهل بدر ومنهم باقي الانصار , وهذا ماقد يتلائم مع نزعات هذا الانسان وتوجهاته واعتزازه بنفسه وعشيرته مما يوقعه في المحذور ويجعله ينأى بجانبه عن امام زمانه عليه السلام .
3- ظاهرة الطعن بالانساب
فكثيرا مانسمع ان هذه العشيرة تطعن قبيلة اخرى في سبيل تسقيطها والحط من شأنها ما بين العشائر الاخرى . وهكذا الحال بالنسبة للافراد وطعن البعض منهم بنسب البعض الاخر .وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم انه قال : ثلاثة من اعمال الجاهلية لايزال فيها الناس حتى تقوم الساعة , الاستسقاء بالانواء , والطعن في النسب والنياحة على الموتى ) مستدرك الوسائل ج13 ص93 ), مما يولد البغضاء والتنافر بين افراد المجتمع ويفوت عليه الفرصة في تحقيق التآلف والوحدة والتكاتف المطلوب لنصرة القضية المهدوية وتأييدها.
4 – الظاهرة الرابعة : وئد البنات
والتي تمثلت في عصرنا الحاضر بعدم تزويج السادة بناتهم الا لسادة من بني هاشم والسادة معرضون عن بنات عمهم مما يتسبب في بقاء النسوة بدون زواج مدى الحياة او يتقدم بها العمر كثيرا حتى تحصل على فرصة زواج او لا تحصل عليها اصلا .وهذا لعمري قتل لتلك النسوة وقتل لمعاني الحياة فيهن بل ان الكثير منهن يفضلن الموت على البقاء في بيوت ابائهن يخدمن فقط , بل هو وئد وقتل معنوي لهن وكما قال الله تعالى في القران الكريم(بأي ذنب قتلت )التكوير 9/ واحيانا هؤلاء السادة يرفضون تزويج بناتهم حتى للسادة الهاشميين امثالهم الذين يتقدمون لخطبتها من بيت هاشمي اخر غير بيت الاب او بعيد عليه في النسب القريب ومما كانت مكانته وحاله وشأنه وهذا الامر معروف وموجود بكثرة وشائع في مجتمعاتنا وخاصة الشيعية منها بل ان تلك القبائل القريشية جعلت هذا الامر من ضمن قوانينها المعتمدة في التعامل اما من يخالف ذلك فانه سوف يحارب في قبيلته ويكون عارا عليهم كما يقولون .ولم يقتصر هذا الامر على السادة من قريش فقط بل تعداه الى عامة الناس حبث ظهر هذا الامر وانتشر بين الناس في بعض العشائر والعوائل ذوات الشأن والتي تعتز بنفسها وتعتبر نفسها افضل من غيرها نسبا وعليه ترفض كل من يتقدم الى الزواج من بناتها الا ان يكون من عائلة او عشيرة معروفة وذا مكانة اجتماعية عالية . والاكثر من ذلك ان رئيس القبيلة اذا كانت له بنت او اخت ….الخ وتقدم لها شخص من قبيلته ولكن من عشيرة اخرى او من بيت هو دون البيت الذي ينتمي اليه رئيس القبيلة فانه يرفض تزويجها له , ويشترط احيانا ان يكون ذا حالة مادية ميسورة ومهنة كبيرة يتباهى بها امام الناس …. الخ , متناسيا بذلك قول الرسول الاكرم محمد صلى الله عليه واله وسلم:من رضيتم دينه وخلقه فزوجوه وورد في قصة جويبر – وهو رجل من الصحابة – انه قال لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم : فأية امرأة ترغب في ؟ قال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : يا جويبر ان الله وضع بالاسلام من كان في الجاهلية شريفا وشرف بالاسلام من كان في الجاهلية وضيعا واعز بالاسلام من كان في الجاهلية ذليلا واذهب بالاسلام ما كان من الجاهلية وتفاخرها بعشائرها وباسق انسابها فالناس اليوم كلهم ابيضهم واسودهم وقريشيهم وعربيهم واعجميهم من ادم وان ادم خلقه الله من طين وان احب الناس الى الله يوم القيامة اطوعهم له واتقاهم /الكافي ج5 ص339 , وسائل الشيعة ج20 ص67 .
5- عضل المرأة عن الزواج اي ( النهوة)
تتم عندما ترفض المرأة الزواج من احد اقاربها وعلى وجه الخصوص ابن عمها وفي هذه الحالة عندما يتقدم لخطبتها شخص اخر اجنبي اي ليس من اقاربها , فان ابن عمها سوف يمنع بنت عمه من الزواج ولو بأستعمال القوة سواء معها او مع من تقدم للزواج منها وهو ما اصطلح عليه بأسم ( النهوة)فان من المتعارف عليه عند العشائر ان البنت لا تتزوج الا من ابن عمها وليس لها ان ترفضه وهي بذلك مسيرة غير مخيرة , بل احيانا تجبر بالقوة وتحت الضغط والتهديد على القبول به وكأن ابن عمها يملك رقبتها او انه خلق منها يدا او رجلا وهو بذلك له حصته فيها .
وهذه من اكثر العادات والتقاليد والاعراف الاجتماعية شيوعا في مجتمعاتنا الاسلامية على الرغم من كونها مخالفة لتعاليم الاسلام بل لاتمت اليه بصلة ولم يقل بها القران الكريم او النبي صلى الله عليه واله وسلم او الائمة عليهم السلام .والادهى والامر من ذلك صرنا نسمع ونشاهد ان الاخ صار ينهى على اخته ويعضلها عن الزواج ولم يبقى الامر مقتصرا على ابن العم فقط . واحيانا وللاسف الشديد يستعمل بعض ضعاف النفوس هذه الطريقة من اجل الحصول على حفنة من المال , وذلك بأن يرفض الاخ تزويج اخته وبعد مشاورات ومداولات مع جميع الاطراف يقوم بطلب مبلغ معين من المال لكي يوافق على هذا الزواج وهذا مما يحط من مكانته بين الناس ويفقده كرامته وانسانيته ومن ورائه عقاب الله عز وجل وعذابه , وهذه الامور بمجملها قد سببت الكثير من المعاناة والالم للنسوة ولا نغالي اذا ما قلنا ان هذه الظواهر تسببت في شيوع العديد من العقد والامراض النفسية بين النساء اللاتي لا حول ولا قوة لهن الا الاذعان الى الامر الواقع .
6 – الفصلية
وهي ان شخصا ما يعتدي على شخص اخر او تقع منه اساءة عليه عن قصد او غير قصد , فأن هذا الشخص المعتدي عليه سيطالب الطرف الاخر بالفصل وبدلا من ان يكون دفع مبلغ من المال فأنه يفرض على الشخص المعتدي ان يعطي امرأة عوضا عن ذلك الاعتداء . وتلك المرأة تدعى في العرف العشائري بــ( الفصلية)ويقوم الشخص المعتدي عليه بالزواج منها او يتركها كالمعلقة , واذا ما تزوجها فأنه يهينها هو وعائلته وينظرون لها نظرة استحقار واستصغار , وكل ذلك لم ينزل الله به من سلطان.
وهناك بعض الحالات التي يضطر فيها الشخص الى اعطاء اكثر من امرأة للطرف الاخر كفصل , وهذا مفهوم خاطيء لا يتلائم وروح الشريعة الاسلامية لأنها لاترضي بالظلم واعطاء المرأة على هذا النحو ولأنه ظلم لها اولا ولأنه لاذنب لها في ما اقترفه ابوها او اخوها ….. الخ هذا من جهة , ومن جهة اخرى ان المرأة هي كيان محترم وله مكانته في المجتمع فمن غير العدل ان تتحول الى اداة او سلعة تباع دون ان يكون لها حق الرفض او انتقاد للوضع الذي هي عليه.
وهذه المسألة في الواقع لا يتحملها رؤساء العشائر وشيوخها بل ان رجال الدين يتحملون الجزء الاكبر والاهم , فلو انهم اختلطوا بالمجتمع وكانت معهم علاقات وروابط مع القبائل ورؤسائها على وجه الخصوص وبالتالي تدخلوا في هذه الامور لما حصل الذي حصل , فنحن لانوجه اللوم في هذه المسألة الى شيوخ العشائر لأنهم لما لم يتعرفوا على الحكم الشرعي اضطروا الى ايجاد حكم وضعي حقنا للدماء وكفا للقتل والقتالوالحقيقة فأن الكثير من شيوخ العشائر يشعرون بأن هذه المسألة فيها ظلم للمرأة الا انهم كانوا بين امرين احلاهما مر , بين ان يظلموا شخصا واحدا وبين ان تقع فتنة كبيرة تزهق بينها الكثير من النفوس لو تركت من دون علاج.
7 – اخذ الحق بالقوة دون الرجوع الى الشريعة الاسلامية
حيث يؤخذ الحق بالقوة دون الرجوع الى الشرع الاسلامي او السلطة القانونية المتواجدة في البلد , او الرجوع الى مبدأ التحاور والتفاهم بين الاطراف المتنازعة , بل يأخذ الشخص حقه حتى وان كان هذا الحق في اصله باطلا فأنه يأخذه بالقوة وبتهديد السلاح وهو ما يعرف بالعرف العشائري بأسم ( الكوامة ) اي ان يأخذ شخص ما تعرض الى اهانة او حادثة معينة عددا من افراد عشيرته الى من قام بأهانته او التعرض له فيقوم بتهديده ويبين له انه سيقوم باطلاق النار عليه وهو ما يعرف في العرف العشائري بــ( الدكة ) وذلك اهانه منه الى الشخص الذي اساء اليه او للضغط عليه حتى يرضخ لمطاليبه وينفذ شروطه .
مما يتسبب بوقوع ضحايا من النساء والاطفال الابرياء بل وحتى الحيوانات لا تسلم في هذه الحالة من هذا الامر على الرغم من ان هؤلاء لاذنب لهم او لم يكونوا طرفا مباشرا في هذا الموضوع اساسا , والادهى من هذا ان ( الدكة ) تكون على بعض اعضاء العشيرة الذين ليس لهم ذنب في تلك الحادثة التي وقع الخلاف نتيجتها بل لربما تكون على رئيس العشيرة وشيخها وبعض وجهاءها الذين لايقبلون بالتحاور على حقوق الاخرين بينما الاسلام ينهى عن العنف والتصرف اللامسؤول ويدعو الى الحوار والسلام والتكاتف بين ابناء المجتمع الواحد.
8 – اهانة المرأة وحرمانها من حقوقها والاساءة لها
هي في نظر اغلب العشائر كانت ضعيفة لا تستحق الاحترام , بل وينظر لها على انها خادمة فقط ليس من واجبها الا القيام بشؤون البيت وتربية الاطفال لاغير ولا تعطي ابسط حقوقها كحق العيش بكرامة ودون احتقار وحق التعليم وحق ابداء الرأي وبما فيه مرضاة الله تعالى .واحيانا ما تتعرض للضرب ظلما وعدوانا وهو ما كان يعير به الرجل الذي قام به في الجاهلية , فقد ورد عن عبد الله بن جندب عن ابيه ان الامام المهدي عليه السلام قال : وان كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالهراوة او الحديد فيعير بها عقبه بعده ) بحار الانوار ج33 ص458 , مستدرك الوسائل ج11 ص86).
9 – تزويج المرأة مقابل اخرى او ما يعرف ( كصة بكصة)
اي ان يقوم الشخص باعطاء اخته او بنته لشخص اخر وتزويجها منه مقابل زواج الاخ او الاب من اخت او بنت الشخص الاخر وهذا مهرها , وهو ما يعرف في ايام الجاهلية باسم (الشفار ) , وهذا العرف العشائري فيه ما فيه من السلبيات التي يوقع الناس بها انفسهم فعلى سبيل المثال اذا غضب رجل على زوجته وقام بضربها او اساءة معاملتها وبالتالي طردها فبالمقابل يقوم اخو هذه المرأة بدوره بضرب زوجته وطردها والتي هي اخت ذلك الرجل وبدون اي ذنب او جريرة في ذلك كله .
10- الثارات
فمن المعروف ان المقتول يؤخذ بثأره من القاتل وذلك بقتله وهذا ما اشار اليه الدين الاسلامي وكانت السمة الغالبة لدى القبائل العربية قبل قيام الاسلام انغماس تلك القبائل بالاعتداءات والحروب التي تشتعل بسبب تلك الثارات .والعشائر في الوقت الحاضر ركنت الى هذه الظاهرة والشيء السلبي فيها ان تلك العشائر تذهب الى ابعد حد في اخذها للثار , فن الشخص اذا قتله احد افراد عشيرة اخرى فان افراد عشيرته يقتلون قاتله بل ويتعدى ذلك الى قتل اشخاص اخرين من افراد عشيرة القاتل ليس لهم ذنب في تلك الحادثة التي وقع الخلاف بسببها .والحال ان الاسلام اتخذ مبدأ السن بالسن والعين بالعين , قال الله تعالى:وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون (المائدة (45) , وقال تعالى)الا تزر وازرة وزر اخرى } النجم (38) , فلم يكن لهؤلاء الاشخاص المقتولين ظلما ذنب الا انهم من عشيرة القاتل .وبعض العشائر اذا قتل احد افرادها وهرب قاتله او كان صعبا عليهم ادراكه فان هذه العشائر تقوم بقتل اخ القاتل او ابنه او ابن عمه وهكذا , وفي حين ان هؤلاء يؤخذون بجريرة القاتل وهم ليسوا مسؤلين عن جريمة القتل التي ارتكبها ولم يشتركوا بها من قريب او بعيد ولم يكن لهم ذنب سوى انهم من عشيرة القاتل ومن ذوي رحمه.
11 – عدم توريث المرأة او الصبي الصغير ومنعهم من حقهم في ميراث والدهم
ذلك لان هذا الميراث يعطى الى الابن الاكبر الذي يستأثر به دونا عن سائر اخوته واذا قدر لهؤلاء من الحصول على هذا الميراث فان اخواتهم من النساء يكن مبتعدات عن هذا الحق شأنهم في ذلك شأن القبائل والعشائر في عصر الجاهلية الاولى , فقد جاء عن علي بن ابراهيم في تفسير قوله تعالى : والمستضعفين من الولدان وان تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فان الله كان به عليما } النساء (127) , قال : ان اهل الجاهلية كانوا لايرثون الصبي الصغير ولا الجارية من ميراث ابائهم شيئا /وسائل الشيعة ج26 ص304 , – وعن حكيم بن جابر عن زيد بن ثابت انه قال : من قضاء الجاهلية ان يورث الرجال دون النساء ) الكافي ج7 ص75 .)
12 – الاكل عند اهل المصيبة او ما يعرف بمجلس الفاتحة
ان الاكل عند اهل المصيبة او مايعرف بمجلس الفاتحة وصرف الاموال عليها وكل ذلك من اجل التفاخر والمحسوبية وامور ما انزل الله بها من سلطان , ولا سيما اذا كان الشخص رئيس قبيلة او شيخ عشيرة معروفة فمن العار والنقيصة في اعراف القبائل والعشائر ان لايقام مجلس فاتحة كبير على روحه او لا تقدم الانواع الفاخرة والمتنوعة من الطعام , وهذا ما انسحب حتى على افراد العشائر من غير المشايخ ورؤساء العشائر فمن له دخل محدود وحالة مادية سيئة لا يعفيه من اقامة مجلس فاتحة كبير تنفيذا لتلك التقاليد والاعراف بل قد يستقرض الاموال ويبقى مدينا في سبيل اقامة مثل هذه المجالس والا تعرض الى اللوم والانتقاد من ابناء عشيرته واقاربه وحتى من افراد العشائر الاخرى .
والعجيب كيف يجلس رجال الدين والمؤمنين في تلك المجالس ويأكلون من ذلك الطعام , الم يقرأوا ما جاء عن الامام الصادق عليه السلام : الاكل عند اهل المصيبة من عمل الجاهلية والسنة البعث اليهم بالطعام كما امر به النبي صلى الله عليه واله وسلم في آل جعفر بن ابي طالب عليه السلام لما جاء نعيه ) وسائل الشيعة ج3 ص237 , من لايحضره الفقيه ج1 ص182 .)
13 – النداء بنداء الجاهلية
والذي اشار اليه الامام الصادق عليه السلام بقولههو الرجل يقول يالبني فلان فيقع بينهما القتل والدماء ….. وهذا الشيء متعارف عليه بين ابناء العشائر والقبائل في العصر الحالي حيث يستثير احد ابناء العشيرة افراد عشيرته بــ ( يال فلان حيهم ) او ( يا اخوت فلانة ) مما يستفزهم به ويستنفرهم ويثير عندهم روح الحمية والعصبية القبلية فينهضون معه للاغارة على افراد قبيلة او عشيرة اخرى ويقع القتل والقتال فيما بينهم .وهذه العادات والتقاليد والاعراف العشائرية السلبية الانزر اليسير من تلك العادات التي يطول المقام بذكرها والتعرض لها والتي وجب على القبائل والعشائر ( رؤساء وشيوخ وافراد ) الانتباه لها والعمل على نبذها او على اقل تقدير تهذيبها وتقويمها في اطار الاستعداد لأستقبال المخلص المنتظر المهدي عليه السلام الذي سيقوم بأزالة كل هذه الحالات السلبية ونفيها عن المجتمع والرجوع به الى الاساس الصحيح المتمثل بالاسلام المحمدي الاصيل والشريعة الاسلامية السمحاء .

العادات والتقاليد الايجابية والحسنة العشائریة:
1 – حسن الخلق والكرم والسماحة والشجاعة
الحث على الالتزام بالاخلاق الفاضلة والصفات الحميدة من حسن الخلق والكرم والسماحة والشجاعة …. الخ , وهي من السمات المعروفة عند القبائل ( العشائر ) العربية والتي تفتخر بها على مر التاريخ , وهي من الصفات التي شجع عليها الاسلام وامتدحها القران الكريم واكد عليها اهل البيت عليهم السلام بل واعطوا هذه الصفات دون غيرهم من الناس ومن ذلك قول الامام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام في خطبته التي خطبها في الشامايها الناس اعطينا ستا وفضلنا بسبع , اعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين …. مقتل المقرم ص372 .
2 – حفاظ القبائل على شرفها وغيرتها
ومن العادات الاخرى حفاظ القبائل على شرفها وغيرتها على اعراضها وحث ابناء العشيرة على الاعتزاز بها والمحافظة عليها , وهذا ما لايختص بأبناء العشيرة فقط بل يشمل الحفاظ على ابناء العشائر الاخرى وصون كرامتها وشرفها مما يزيد التلاحم والتآلف فيما بينها .
3 – التراحم والنجدة ومعاونة الاخوان
ومن العادات الاخرى الحسنة هي التراحم والنجدة ومعاونة الاخوان اذا ما وقعوا في مشكلة ومحاولة حلها بما يعرف في العرف العشائري بــ( گعدة العشائریة ) حسما للخلاف والنزاع وحل للاشكال . ولكن مما يجب الالتفات اليه هو وجوب ان لا يخرج هذا الاجتماع او ( كعدة العشائر ) عن الاطار العام الذي رسمه الشارع الاسلامي المقدس وعن الثوابت التي جاء بها الاسلام .

4 – عادة الاجارة بين العشائر
وهناك عادة الاجارة بين العشائر وهي ان تقوم قبيلة باجارة رجل من افراد قبيلة اخرى طلب الاستجارة بهم والحصول على الامان عندهم وهي من الامور التي توضع في محل فخر واعتزاز القبائل والعشائر قديما وحديثا .
5 – مساعده الشخص
فضلا عن ذلك هنالك عادة اعانة الشخص المحتاج في العشيرة ودعمه ماديا او ان الفرد الواحد من افراد القبيلة اذا ما تعرض لأحد بسوء من دون قصد وطلب منه الدية(الفصل ) فان افراد العشيرة يتعاونون فيما بينهم فيجمعوا له المبلغ المطلوب ولا سيما اذا لم يكن قادرا على دفعه , ولكنه سلاح ذو حدين , فأن مساندة العشيرة لهذا الشخص وتحمل عبء الدية معه ليس مبررا ان يعطي لهذا الشخص مجالا في ان يعيث في الارض فسادا معتمدا على ان هنالك من يدفع عنه , بل ويجب رد مثل هؤلاء كخطوة ثانية على ان تسبقها خطوة اولى من محاولة استمالتهم وجلبهم الى طريق الحق ومحاولة اصلاحهم واعادة تأهيلهم في المجتمع وبالشكل الذي يرضي الباري عز وجل.
وبالمقابل اذا ما تعرض افراد هذه القبيلة الى حادث واعطي لهم الفصل ( الدية ) فان نصفها اذا لم نقل الجزء الاكبر منها يعود الى ابناء العشيرة او ما يعرف بــ(الوداية ) لأنهم في ما سبق قد دفعوا عن هذا الشخص المتضرر الدية لما كان مذنبا , وبذلك يحرم هذا الشخص من جزء ليس باليسير من حصته في هذه الدية بهذه الحجة
وعليه فعلى العشائر هنا ان تتخذ حلا وسطا حيث لا افراط ولا تفريط ولا يضر بمصلحة احد من الناس ويرضي الله والعباد , فضلا عن غيرها من العادات والتقاليد الحسنة والاجابية التي لايتسع المقال لذكرها , والتي وجب على افراد العشائر الالتزام بها والمحافظة عليها وبالشكل الذي يتلائم مع روح الشريعة الاسلامية السمحاء وتشجيعها والعمل على تنميتها وتطويرها على طريق الاعداد والتهيئة للالتحاق بركب الامام المهدي عليه السلام والانضواء تحت ظل رايته المباركة وكما قال الباري عز وجل : ان الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم الرعد 11.
فعلى ابناء العشائر وعلى رأسهم رؤساء وشيوخ هذه العشائر السير قدما على طريق تغير الواقع الحالي السيء والاعمال السلبية المنافية للشريعة الاسلامية وتحويلها الى اعمال ايجابية تتلائم واعمال الدين الاسلامي الحنيف , ليمن الله علينا , اذا ماغيرنا من الواقع السيء بتعجيل قيام امام زماننا الحجة بن الحسن المهدي المنتظر عليه السلام .
6 – الفرح و اشعر عند العشائر(هوسات)
لا يمكن للداخل إلى مدن العراق الجنوبية إلا أن تلفته تلك الأهازيج، أو ما يُعرف بـ “الهوسات”، التي يستخدمها السكان في الأفراح كما في الأتراح، وأيضاً في النزاعات القبلية، أو في خلال مواسم الحصاد، أو للتفاخر بالنسب والجاه وإصلاح ذات البين، أو لاستقبال الضيوف، أو حتى في مواسم الزيارات الدينية. ومن تلك الهوسات ما هو تاريخي قديم بالكاد يجد المرء تفسيراً له، ومنها ما هو مستحدث جديد
والهوسات تأتي كأبيات شعر شعبي تثير الحماسة والفخر أو الشجن والحزن، ويُخصّص جزء كبير منها للرجال. وهي كانت تستخدم أيضاً في أوقات الحروب مع الغزوات، التي اجتاحت بلاد ما بين النهرَين وما زالت، وذلك لإثارة الحماسة في نفوس المقاتلين وإلهاب مشاعرهم.وللهوسات مراسمها الخاصة، إذ يتجمع الناس حول صاحب الهوسة أو الأهزوجة، الذي يبدأ ببيت أو بيتين من الشعر الشعبي، ومن ثم يكرر الشطر الأخير من الأهزوجة ثلاث مرات، قبل أن تنطلق “الردسة”.
والأخيرة هي رقصة بحركات سريعة يؤديها الرجال، فيضربون أقدامهم بقوة بالأرض ويقفزون بسرعة مع تحريك أيديهم فوق رؤوسهم. وهذه الرقصة الخاصة، التي لا يجيدها إلا سكان الجنوب، تأتي متناغمة مع الهوسات، التي تردّد، وذلك في مساحة دائرية تعرف شعبياً بـ “الملعب”.تجدر الإشارة إلى أن هذا النوع من الأهازيج لعب دوراً كبيراً في التحشيد في خلال الثورة، التي انطلقت في عام 1920 في وجه الاحتلال الإنجليزي. فقد أشعلت الأهازيج، التي أطلقها الشعراء، حماسة العشائر العراقية، وبثت روح الحميّة العربية والحماسة في نفوسها.
في هذا السياق، يقول الباحث الاجتماعي، منير الصيادي، إن “المجتمع العراقي يتميز بطابع عشائري يعشق الشعر والأدب. وتكاد لا تخلو جلسة سمر من أبيات الشعر، سواء الشعبي أو الفصيح. وقد وظف العراقيون الشعر في الأهازيج لغرض التحشيد الإعلامي وإلهاب الحماسة في نفوس الثوار المقاومين للاحتلال الإنجليزي. وقد شهدت تلك الثورة أبرز الهوسات والأهازيج وأشهرها في تاريخ العراق الحديث”. ويضيف أن “الأهازيج لعبت دوراً إعلامياً كبيراً في إيصال صوت الثوار إلى المحافظات العراقية كافة، لا سيما بسبب سهولة حفظها
أما الإعلامي، عادل البشير، فيوضح أنّ “في عشرينيات القرن الماضي، في غياب وكالات الأنباء والقنوات الفضائية، كانت العشائر العراقية تلجأ إلى إيصال الرسائل إلى بعضها بعضاً عبر الأهازيج، التي يحفظها الناس، والتي كانت تنتقل بسرعة إلى الأرجاء كافة، فتستثير حميّة الثوار وترفع هممهم”.وللهوسات والأهازيج مكانة خاصة لدى العشائر العراقية في مدح ورثاء شخصية مجتمعية بارزة، إذ يطلق الشعراء أهازيجهم الشعرية ويختمونها بالردسة، لتبقى عالقة في أذهان الناس زمناً طويلاً.
ويوضح الشاعر، مختار الحربي، أنّ “الأهزوجة أو الهوسة تعتمد على الشاعر، الذي يرددها بما يعرف بـ “المهوال”. وكانت المهاويل ترافق المقاتلين في الحروب، لرفع معنوياتهم وبث الحماسة في صفوفهم”. ويضيف أن “الهوسة أشبه بقصة قصيرة لتمجيد بطولات جماعة أو عشيرة، أو لرثاء زعيم قبلي”.اقرأ أيضاً: “أرض السواد” مهدّدة بالتصحّرولا تقتصر الأهازيج على الرجال، فللنساء العراقيات نصيبٌ كبير منها. وتشير الكاتبة، نورا الخالدي، إلى أن “ثمّة أهازيج شهيرة لعدد من العراقيات.
مثلاً عندما شاهدت إحدى أمهات ثوار العشرين جندياً إنجليزياً يطعن ابنها بحربة بندقيته قبل أن ينقضّ ولدها عليه ويعضّه في حنجرته حتى قتله، أنشدت: عفيه ابني الجاتل جتاله، أي بوركت يا ولدي لأنك قتلت قاتلك”.
وتوضح الخالدي أنّ “أبرز الأهازيج كانت لنساء استشهد أبناؤهن في ثورة العشرين”.إلى جانب زمن الاحتلال البريطاني في عشرينيات القرن الماضي، شهدت الثمانينيات ومعركتَي الفلوجة الأولى والثانية (غرب العراق) انتشاراً كبيراً لتلك الهوسات والأهازيج بين العراقيين، حتى وضع فيها باحثون وكتاب كثر مؤلفات عديدة.بالنسبة إلى الكاتب، عبد الجبار الدليمي، فإن “الأهازيج لا تقتصر على منطقة معيّنة في العراق
ولعلّ من أشهر أهازيج القرن العشرين تلك التي أطلقها أحد قادة ثوار العشائر إبان ثورة العشرين في مدينة الفلوجة، حين تمكن الثوار من قتل قائد إنجليزي بالقرب من جسر الفلوجة القديم، بعدما أحرقوا رتلاً عسكرياً للقوات الإنجليزية. فأنشد أحد قادة الثوار أهزوجته: يالتنشد هاي الفلوجة أي يا من تسأل عن الفلوجة ها هي أفعالها”.
يضيف: “وكذلك الأمر في معركتَي الفلوجة الأولى والثانية ضد الاحتلال الأميركي. كانت أشهر الأهازيج التي يطلقها المقاومون حينها: بنزال أمريكا سحلناها. وكانت أيضاً: يالعايل هاي الفلوجة، في تهديد للقوات الأميركية”.ويشير الدليمي إلى أن “الأهزوجة لا تقتصر على الحروب، بل لها مكانة خاصة في الأفراح والأتراح.
ومن أشهر هوسات الأعراس: بليلة عرسك خل نلعب جولة، والجنائز: سر الحد وين مودينة في مدح المتوفى”.ويطالب مثقفون وأدباء بالمحافظة على التراث الشعبي من الضياع، من خلال بحوث ودراسات خاصة حول الهوسات والأهازيج وتوثيقها، إذ هي تنطوي على عادات وتقاليد المجتمع العراقي وتاريخه”.ولعالم النساء طقوس خاصة بالهوسات العراقية الجنوبية، ومنها على وجه الخصوص سواء على مستوى الأهزوجة أو المرأة التي تلقيها والمناسبة الخاصة بها.
ففي هوسات الحزن مثلاً، تقوم ملقية الهوسة بين النساء فتفرد ضفائرها حاسرة الرأس، وتتحزم بعباءتها لتلقي الأهزوجة الخاصة بالمناسبة. وقد اشتهرت كثيرات بذلك.وعادة ما تكون الهوسة مصحوبة بكلمات ومعانٍ تثير الحاضرين. ومن أشهرهن هوسة نساء الفلوجة إبان مجزرة الفلوجة في خريف عام 2004. في ذلك الحين، في خلال مراسم تشييع أربعين من شبان المدينة، الذين قتلوا في تظاهرة ضد الوجود الأميركي في البلاد، ألهبت تلك الهوسة المدينة، وقد قالت: “يا دار مالك محب ينخى على دم أحبابك”، داعية إلى التحشيد والأخذ بالثأر.وللفرح أيضاً نصيبه في الهوسات، على الرغم من أنه قليلاً ما راح يطرق أبواب العراقيين في خلال العقود الماضية.
وفي هذا النوع من الهوسات، عادة ما تؤديها شابة غير متزوجة أو واحدة من أصحاب المناسبة. ومن الهوسات المشهورة: “هيل وطش بالولاية” و”بنت الشيخ لابن الشيخ زفوها”. وكما الرجال، كذلك النساء لهن حركاتهن الراقصة، التي عادة ما تكون أكثر رشاقة من حركات الرجال.ولهوسات الحرب الخاصة بالنساء حكايات، قد تكون مشابهة للموروث العربي القديم. أما العبارات التي يرددنها في تلك المناسبات فهي عادة ما تكون مشحونة بمعاني الانتقام والحقد على الآخر “العدو المفترض”
ويصف أستاذ علم الاجتماع في جامعة بغداد، الدكتور محمد العاني، الهوسات العراقية بأنها “تميّز خاص عن المجتمعات العربية الأخرى. ولعلّ ذلك كان بسبب التكوين العام للشعب وتنوع دياناته وطوائفه وقومياته، بالإضافة إلى التنافس العشائري وكثرة الحروب والأزمات وارتفاع حس التفاخر ومحاولة السمو على الآخر منذ القدم”. يضيف: “هي لوحة نسجت ببطء عبر الزمن. ويقول المثل الشعبي: البيت إلي ما في هوسة يهوسوله الجيران. وهو ما يختصر تلك الظاهرة ومدى أهميتها للعراقيين في المناطق الريفية والمحافظات البعيدة عن بغداد كالجنوب والوسط والغرب أيضاً”.
ويتابع أن “انتشار ظاهرة بيع الهوسة أو مؤلفي الهوسات بحسب الطلب وبروز شعراء وأصحاب ارتجال كما يبيع كتاب الأغنية كلماتهم، يؤكد على حرص كل عشيرة أو منطقة على أن تكون لها هوستها الخاصة”.ويُروى أن وفداً مصرياً، مؤلفاً من ناشطين وناشطات في مجال حقوق الإنسان من ضمن برنامج تابع للأمم المتحدة، زار العراق في عام 2006.
وعندما وصل إلى مضارب عشيرة خزج جنوب العراق، خرج رجال العشيرة بشكل جماعي حاملين بنادق “البرنو” وراحوا يرددون هوستهم الخاصة باستقبال الضيوف، والتي تقول: “اليوم لخاطر الزوار نخلي الدم للِركاب”، بمعنى نحر الذبائح لهم وسفك دمها حتى تصل أعلى الركبة في الساق كناية عن إكرامهم. لكن أعضاء الوفد فسروا الهوسة بشكل خاطئ، وراح بعضهم يركضون هاربين من المكان
7 – نتكلم اليوم عن التقاليد العشائرية التي يمارسها اهل العشائر العراقية في مختلف المجالات من حيث الضيافة واكرام الضيف ولما لها من اهمية كبيرة بالنسبة الى المتحضرين الذين ليس لديهم العلم بالكثير منها حيث تكثر هذه التقاليد في اكثر المناطق الجنوبية والتي يدل كل فعل او حركة مقصودة او غير مقصودة الى فهم الاخر لها ومعرفة ماذا يقصد صاحب الفعل بذلك وما اذكره قليل جداً لما تحتويه اعرافهم وتقاليدهم التي نشأ الكثير عليها والتي تمارس الى الان ومن تلك التقاليد نذكر على شكل نقاط لعرض التوضيح
1 – اذا دخلت الى المضيف عليك ان تجلس على الجهة اليسرى اذا كان في المجلس شخص من اولاد فاطمة الزهراء عليها السلام
2 – عدم التكلم بمحضر من هم اكبر منك سناً كالوالد والجد وغيرهم الا اذا كان الكلام له علاقة بالموضوع والاستئذان من الجميع بان تقول : ( من رخصت الموجودين ) ثم تبدأ بالكلام .
3 – عدم شرب الشاي الا بعد مشاهدة من هم اكبر منك بالمباشرة
4 – عدم الاتكاء على المخده او كسرها فان الضيف يشعر بانك تريد النوم فيقوم بالانصراف.
5- عدم التثائب امام الضيف فانه يدل على انك تريد انصراف الضيف
6 – عدم قلب معلقة الشاي على ظهرها الى الضيف فانه يدل على شيء يخص الشرف
7 – عدم اعطاء الشاي ناقص في الاستكان فانه يدل على ان الضيف غير مرغوب فيه .
8 – عدم توجيه فم القوري على الضيوف فانه يدل انك تريد له الضرر
9 – عدم كسر العمود الفقري للسمكة اثناء الطعام فان له معنى يخص الشرف
10 -عدم اخراج عين السمكة في الطعام لمعنى يخص الشرف
11 – عدم اكل وثقب عين الباجة فانه يدل على نفس المعنى
12 – لا تأكل من الطعام حتى يأتي الخبز فانه دليل على ان كل الطعام امامك
13 -عليك ان لا تقدم الخبز قبل الطعام فانه يدل على فقر الضيافة لديك
14 – لا تاكل حتى يأذن صاحب الضيافة بذلك
15 – اذا كان في الطعام ملح في اناء يدل على ان الشخص يريد ان يقوي الثقة بك والامان منك فعليك ان تتناوله قبل الطعام ولو بشيء يسير
16 – عليك بعد السلام باستقبال الضيف بكلمت ( صبحكم الله بالخير ) فاذا كان قد تناول الطعام الغداء فانه يقول لك (مساكم الله بالخير) وان كان يقول (صبحكم الله بالخير ) فانه يدل على انه غير متناول للطعام .
17 – عليك باخذ القهوة باليد اليمنى وعند الاكتفاء عليك بهز الفنجان قليلاً
18 – اثناء السلام يجب ان تكون قبضتك قوية فانه يدل على الرجوله
19 – لا تسحب يدك قبل الاخر اثناء السلام فانها تخص المروءة
20 – وجود المسرة والبشاشة على وجهك يدل على ان الضيف محبوب من قبل الجميع .
وهناك الكثير من الامور التي لا يسع المجال لذكرها قد اقتصرنا على اهم الامور التي تخص الاعراف العشائرية ومن المهم ان نذكر بعض الاشياء البسيطة والغير مرغوب بها فعليك التجنب في الخوض في الامور السياسية والكرباء والخدمات الاخرى فانك لا تحضى باي نتيجة سوى ارتفاع ضغط الدم وتحول الجلسة الى ساحة معركة لا تحمد عواقبها .

بعض من الآداب و المواضیع فی الحیاه الیومیه العراقیه – العشائریة
1 – آداب شرب القهوة
للقهوجي صفات يجب ان يتحلى بها، عليه ان يعرف اصول وآداب المضايف والعرف العشائري، وأن يمتلك الفراسة في معرفة الرجال (فالشيوخ والسادة والوجهاء، شيوخ الدين، ومسؤولي الدولة) كلٌ له منزلة وتقدير يختلف عن الاخر.اما آداب شرب القهوة، يواصل الساعدي كلامه: فهي ان تقدم للضيف بعد جلوسه (تصبيحه او تمسيته بالخير وقراءة الفاتحة اذا كان عزاء وسقيه بالماء، ثم يقدم له فنجان القهوة الذي يجب ان يكون حارا، فيأخذه بيمناه، وبعد الانتهاء من ارتشاقه يرجع الفنجان بعد ان يهزّه بطريقة معينة، وان لم يفعل فعلى الساقي ان يصب له فنجاناً آخر.. الى ان يهز الفنجان.
وعلى القهوجي ان يكون نظيفا، متأنقاً، والقهوجي الناجح مَنْ تكون قهوته حارة دوماً وهذا ليس بالأمر الصعب، لأن الدلات في هذه الايام تحوي مكاناً للفحم، انا سمعت مما يتداول في المجالس”ان قهوجيا سقى شيخاً قهوة باردة فقتله على الفور..!!“.
قهوجي دوار
ما بين الميدان وأزقته الملتوية وأسواقه القديمة، وشارع الرشيد ومحلاته وخاناته وقيصرياته المختلفة، واكتظاظ الشورجة وكثافة معروضاتها وحتى الباب الشرقي ابتداءً من (الوكفة) حتى مجمع النجاح يدور ”ابو حسن“ بعقاله وكوفيته وحزامه الجلدي، يحمل دلته النحاسية وفناجينه التي يطقطقها لتصدر اصواتا أخّاذة تلفت الانتباه لقهوته المهيّلة فبعد ان سقاني فنجاناً تعمدت ان آخذه بيدي اليسرى، لم يعترض”ابو حسن“ على ذلك وحينما نبهته اجابني قائلاً، نحن في الشارع وانا اطلب رزقي فإن طلب احد قهوتي اصب له طالما اقبض الثمن ولا يهمني من يشتري”زين شين“ طبعا في المضيف تختلف القضية”وها لتشوف طايحة رجليه وما احصل لو خمسة لو عشرة آلاف في هذه الايام قلّت حركتنا فنحن نخاف من التفجيرات والله الساتر)).
إعداد القهوة
يشرح ابو شمال (قهوجي من مدينة الصدر) كيفية عمل القهوة بكميات كبيرة خصوصا في”الفواتح الثقيلة“، فبعد ان تسجل قائمة بمطالبنا عند”المسواكجي“ بن مطحون-لم يعد طحن القهوة في الهاون يعمل به في هذه الايام-ومطيبات (هيل، جوزة بوة.. الخ)، نبدأ العمل بأخذ كمية من البن حسب ضخامة”الفاتحة“ في قدر كبير ثم تفور وتصفى فينقل الشربت”القهوة المصفاة“ الى قدر آخر، وتظل بقايا القهوة لكي تستعمل مرة اخرى بعد اضافة البن الجديد عليها، اما الشربت فيؤخذ منه لكي تملأ الدلة المحورة الى دلة وخزان للفحم، مما يجعل القهوة حارة وطازجة على مدار الساعة .

2 – اذا وجد احدهم قطعة خبز على الارض فانه لايطؤها بقدمه بل يلتقطها ويقبلها ثم يضعها في ( فتحتة الحائط او فوق الحائط ) او بالقرب منه كما انهم يلتقطون من الارض كل ورقة مكتوبة ويحرقونها او يضعونها في ثقب الحائط ايضاً خشية ان يكون فيها اسم الله جل جلاله …
3 – لايجوز كنس فناء الدار وقت الغروب لكي لا تزول النعمة …
4 – أم سبع عيون الأزرق وحدوه ( نعل ) الفرس التي تدق على الباب أو الحائط كي تبعد العين و الحسد و الأرواح الشريرة …
5 – من العادات العراقية ان الابن لايدخن السجارة بحضور والده حتى لو كان الولد متزوجاً وعنده اولاد , وهكذا الاخ بالنسبة لاخيه الاكبر زيادة في الاحترام كما لايضع ( رجل على رجل ) اثناء الجلوس في مجلس يجمعه بمن هو اكبر منه سناً , كما ينهض هو وجميع الحاضرين عند دخول رجل اكبر منهم سناً …
6 – عواء الكلب : إذا عوى بتكرار في مكان و لعدة أيام فهو تنبيه إلى إن شخصاً سيموت لذا يجيبون قائلين ( عويت بدار اهلك ) أو يخرجون لضرب الكلب و إبعاد شره …
7 – احذر من قطع السدرة ( شجرة النبق ) فان قتلتها أو آذيتها فسيموت احد أفراد المنزل أو يصاب بأذى شديد . وان أردت قطعها فاجعل شخص آخر يفعل ذلك نيابة عنك بشرط أن تضحي و تجري دماً على جذعها أو ساقها …
8 – عندما يأتي شهر صفر فالناس تضع قطعة نقدية في الشربة وتكسره بباب الدار , وبعد مضي هذا الشهر ومجيء شهر ربيع الاول تقول الناس : ( راح صفر وجانه ربيع , يا محمد يا شفيع …
9 – اذا خرج ابو البيت للعمل تلقي زوجته او والدته خلفه الماء اعتقاداً بان ذلك يفيد بالرزق والعودة بسلام …
10 – رفيــــف العيـــن , ونقصد بالرفيف اي تحرك جفن العين العلوي عدة مرات فيعتقدون ان تحرك جفن العين لابد ان يأتي شخص عزيز وغائب على صاحب العين ، وهذا الشخص غائب منذ عدة ايام . فباعتقادهم ان العين تعلم لانها اداة الرؤيا ولذلك نجد النساء يقولن ( رفت عيني لابد من ان يأتي عزيز علي ) وتوضع غالباً قشة على الجفن لابطال الرفيف …
11 – وقوف اللقمة في البلعوم عندما يتقدم الشخص للاكل وبعد ان يأكل لقمة او لقمتين لا تدخل احداهما في البلعوم بسهولة اي يلاقي صعوبة في بلعها فيعتقد بان احد ابنائه ان كان متزوجاً او احد المقربين له اذا لم يكن متزوجاً جائع . ولذلك لاتدخل اللقمة بسهولة وتحدث عادة مثل هذه الحالة عندما يكون ذلك الشخص مغترباً ( اي ) بعيداً عن اهله …
ان ( حكة ) اليد اليمنى تعني ان صاحبها سيحصل على دراهم …
ان ( حكة ) الخد تدل على مجيء ضيف عزيز تبادل معه القبل على الخدود …
وان ( حكة ) الخشم (الانف) تبشر بأكلة سمك …
ان ( حكة ) الرجل اليمنى تشير الى ان احدهم ذكر صاحبها قدحاً او مدحاً …
ان رجفة الكتف تدل على لباس جديد …
ان وجود شعراية ( شعر ) باللسان ينبيء بوصول ( صوغة ) اى هدية …
اذا ركبت فردة النعال او الحذاء ( يكرم السامعين ) معناها صاحبها سوف يسافر ……
لعل القارىء لهذا الموضوع سيجد ان بعض العادات والتقاليد المذكوره اعلاه موجود في مواضيع مشابه لموضوعنا وهذا يدل على ان العادات والتقاليد متشابه في جميع المحافظات العراقية …

بعض من الاصطلاحات العشائریه فی العراق
1 – العرف العشائري
مما لاشك فيه ان العرف العشائري الذي استقر في اذهان الناس ردحا من الزمن وجد له افكارا قبلية بفضل الظروف التاريخية المستمدة من الواقع والارض التي نشأ عليها سكان وادي الرافدين ، وبما ان سكان المناطق الجنوبية هم امتداد للاسر الفلاحية التي نزحت نحو تلك الاراضي الخصبة/ اهل الريف في جنوب العراق ـ 137 ـ
واستوطنت هناك وبمرور الزمن رافق حياتهم الاقتصادية المعتمدة على الزراعة والرعي حيث اصبح ذلك العرف القبلي الذي هيمن على جميع مرافق الحياة مهيمنا على الواقع الاجتماعي والسياسي واصبح ملازما لحياتهم وهم يتعاطفون معه ويرونه القانون الامثل لحل جميع معضلاتهم ، ولانه جزء مهم لتصريف الحياة اليومية في شتى المجالات ، ومن دونه لا يستطيع الافراد الحصول على حمايتهم الحقوقية حينما يكون الناس خاضعين وموافقين لتطبيق ذلك القانون .
وبقي الريف العراقي الى وقت ليس بالبعيد يطبق هذه القوانين العشائرية التي تعد الثقافة التي يتعامل بها السكان المحليون في تلك المناطق وتقسيم الناس الى افخاذ وعشائر ومسميات عديدة ، الامر الذي شجع جميع ( الاسر الفلاحية)على التاكيد التام لمناصرته والدفاع عنه ، وقد ساهمت فيه جموع سكان الريف وتابعوا نصوصه وقوانينه تتبعهم الاجيال المتعاقبة تدريجيا مع جميع المفردات الناجمة عنه ، كما اصبح مواكبا لمراحلهم في ترحالهم واستقرارهم لذلك فقد نتج عن هذا القانون او ذلك العرف ( نصوص ) قانونية عديدة عرفت بكلمة الفصل و (الفجرية ) و ( التلوية ) ولتوضيح هذه القوانين نوجز ما يلي

2 – الفجرية
(الفجرية ) هي احدى المواد القانونية المتعلقة بنظام العرف العشائري اي انها احدى قوانين ( الفصل ) ويعني ذلك استحصال مبالغ نقدية او اعطاء نساء يقدمن فورا للعشيرة المتضررة في مثل حالات القتل الي تتضر منه قبيلة اخرى ، وتكون هذه الغرامة وطبيعة دفعها حسب نوعية ودرجة الحادث الذي من اجله تؤخذ تلك النساء والمبالغ ، وعلى هذا الاساس فان كلمة ( الفجرية ) هي الفصل المدفوع فورا ويعرف في الريف انه استحصال امرأة ( نسافة الكلة ) اي انها بالغة سن الرشد ، وبموجب ذلك فقد حصل ان الفصل الذي يقع بطريقة ( الفجرية ) يشمل ما بين امرأة واحدة او عدة نساء .
اهل الريف في جنوب العراق / 138

3 – التلوية
اما فيما يتعلق بمعنى ( التلوية ) فهي ايضا واحدا من بين انظمة قوانين الفصل الاخرى المرتبطة بقانون ( العرف العشائري ) الذي تحدثنا عنه في نظام الفجرية ، اي ان النساء اللواتي يؤخذن بطريقة التلوية يتعين ابقاؤهن لفترة زمنية غير محددة وحسب الوقت المناسب الذي تقرره تلك العشيرة المتضررة فكثيرا من النساء غالبا ما يكون بقاؤهن تحت اليد مع عدم التصرف بهن في زواج الغير حيث اصبحن محجوزات لافراد هذه العشيرة او تلك بموجب ذلك القانون الذي ندعوه بـ ( التلوية )، ومن الشروط الواضحة في نظام الريف ان مثل هؤلاء النساء اللواتي اعطين بهذه الطريقة ان لا يتم الاّ في نظام قضائي وهو نظام الفصل الذي يجمع فيه جميع المتخاصمون امام ( الفريضة ) وهم الرجال الذين لديهم خبرة طويلة في ممارسة القضاء العشائري ويكون قرارهم ملزما / اهل الريف في جنوب العراق ـ 139 ـ

للجميع ومنهم ( سلمان بن غيلان ) ( وشلاكة ) ( وكبار السواعد ) ( وآل ازيرج ) وغيرهم ، من امثال ( كاظم السدخان ) وطبيعي ان مثل هذه الاعراف كانت تلزم الاشخاص بذكر مسميات النساء اللواتي يعطين بهذه الطريقة وهي فصل التلوية اي المرأة اللاحقة .واصبح في الريف لسنوات طويلة ان فصل ( الفجرية ) وحتى ( التلوية ) وفق هذه الاساليب جعل من حالة اعطاء النساء بهذه الطريقة تجنيا واضحا بحق المرأة التي تصبح الضحية الاولى في حسم المنازعات والجسر الذي تعبر عليه المارة ، لكن اهل الريف يعدون ذلك حالة اجتماعية سائدة ومألوفة مرت عليها مراحل حياتهم وهو ما يشبه الاعراف الاجتماعية والعادات والتقاليد لبعض القبائل الموجودة في بقية بلدان العالم ، وعلى هذا الاساس فقد اصبحت تلك الامور من بين الانظمة الاجتماعية التي تهيمن على مجمل الحياة التي وما زالت تمارس اعمالها في داخل المدن حتى الان وتتخذ قرارات قانونية وتطبق بحقها كما نشاهده
وبموجب ذلك النظام ( القضائي ) الذي فرضته الحياة في تلك البقاع قلت اهمية بروز المعارك والاقتتالات بسبب هذه القواعد او هذه الانظمة التي اخذ شباب اهل الريف يفهمون ويعطون مسمياتهم وفق هذه القوانين ، وان اشد ما يزعجهم اجتماعيا مثل هذه الحالات او تدفيعهم مبالغ نقدية باهظة
وهناك انظمة محلية اخرى عبر عنها بكلمة ( صاية او رواية ) ولتوضيح ذلك فهو معنى التقليل من شدة التوترات فيما بين القبائل المتحدة مثل ( البو محمد والسراج ) او بين ( بيت زامل والكورشة ) من عشيرة السواعد او بين القبائل المتداخلة في ( عشيرة آل ازيرج ) فيكون الفصل ( صاية او رواية ) اما في حالة عدم وجود ذلك الاتحاد فان موضوع الفصل يفتش عن منافذ اخرى ويتخذ مأخذا اخر تدخل فيه اعتبارات عشائرية عديدة مما يؤدي بالتالي الى اضعاف العلاقات الاجتماعية فيما بينهم واشعال الفتن بين الناس ، واذا لم يحسم فانه يسبب في تعطيل الانتاج الزراعي واشغال الناس بالتهيؤ للمعارك الجديدة احيانا ، ومن جراء نشوب هذه الخلافات يتقمص الفرد لباسا اخر ثم يحصر/ اهل الريف في جنوب العراق ـ 140
آراءه نحو ارتكاب الجريمة لاخذ الثأر انتقاما لعشيرته او للفرد الاخر وقد تصل طريقة اخذ الفصل كما بينا في السابق الى امور عديدة ، اما النظام الاخر الذي نتحدث عنه فهو النهوة والعطوة
4 – لنهوة والعطوة
اما نظام النهوة ( والعطوة ) فهو واحد من بين تلك الانظمة العشائرية الاخرى التي تتصل في واقع الحياة الريفية بجميع خصائصها الاجتماعية والانسانية ، ومعنى ذلك ان نظام النهوة والعطوة متمم للقوانين التي تحدثنا عنها ويمكن توضيح ذلك بان كلمة ( النهوة ) جاءت على الوجه التالي :فلو اعطيت امرأة لرجل في الريف من غير ابناء عمومتها والذين يرغبون في الزواج منها فعندئذ ترسل الى عشيرتها كلمة( النهوة ) وخصوصا الى ذلك الرجل الذي يروم الزواج من ابنة عمه باسم ( النهوة ) ، وغالبا ما تكون الانذارات هذه موجهة من اقرباء البنت التي اعطيت الى رجل اخر ، كما لا يقتصر مفهوم النهوة على هذا الامر فقد استعملت ايضا في حالات عديدة
اما العرف العشائري الذي ندعوه بـ ( العطوة ) فقد يحصل في حالات النزاع والاقتتالات ثم يطلب فيما بعد من القبيلة المتضررة الحصول على ( الهدنة)وهي ايقاف الاقتتالات التي تنشب بين القبائل او بين بعض الاشخاص وتمزيق حالات الاستقرار العام والتهيؤ الى المعارك الجانبية الجديدة ، فعندها يطلب من السيد ( سروط ) وبقية السادة الموجودين مثل ( سيد محمد العايد ) والسيد نور الدين ( او السيد يوسف ) او كبار القبائل مثل سلمان بن غيلان وغيرهم التقدم بطلب ( العطوة ) حفظا لسفك الدم لحين حصول تاريخ بدء ( الفصل)، وجرت العادة هناك ان فترة طلب العطوة تكون لشهر او شهرين وهي قابلة للتجديد ، كما حصل ذلك في كثير من المعارك التي جرت بين البو محمد وقبائل بني لاموبن البو محمد والفرطوس ، وعند قبول ( العطوة ) يعود الجميع الى العشيرة التي ارتكبت الجريمة ضد العشيرة الاخرى ويتم تبليغهم بأمر العطوة الصادر من الجهات المعنية بحسم الامور ، وبعد /اهل الريف في جنوب العراق ـ 141 ـ
انقضاء الفترة المطلوبة يتهيأ الجميع الى طبيعة الحالة الثانية وهي تقرير الفصل ، وغالبا ما تكون مدة العطوة اياما معدودة واستصحابهم معهم الى مكان القبيلة المتضررة لاعطائها مطاليب حسب قوانين العرف العشائري المتداول في المنطقة ، وفي حالة عدم ايجاد الحلول المناسبة للمنازعات تتجه القبيلة المتضررة فيما بعد الى سلوك الاساليب الاخرى مثل القتل والسلب والاعتداء على الاشخاص الذين ليست لهم صلات بموضوع القتل ، وتلجأ الى حفر الملاجىء التي يدعونها في الريف باسم ( الطوامير ) لحماية انفسهم .وبهذا فان قانون العطوة يفصح عن كونه طلب ( المدة ) الموقت للقبائل المتخاصمة ، فغالبا ما كان يستحيل حل المنازعات بالطرق السلمية دون الاستعانة باهل المعرفة والدراية .
لذلك فلا غرابة في كون هذه التقاليد الريفية حالة مالوفة فيما كان يعتقد به رجل الريف ، الامر الذي مكن اهل المعرفة لهذه المكانة البارزة في حل تلك المعضلات مع قبول آرائهم في حل جميع المنازعات التي كانت تحدث في جميع المناطق ، وطبيعي ان طاعة الناس لنداء كبار السن امثال السيد ( سروط ) والسادة الاخرين ورجال الفريضة هو امتداد تاريخي للمعتقدات الدينية والقبلية الموروثة في العراق كما كان يجري في اداء القسم فيحلف البعض منهم في كربلاء والنجف ، وهذه الامور وغيرها جاءت نتيجة السلطة المركزية ولكون الريف يقع تحت الادارة الذاتية وهي قوانين الريف .


دور العشيرة في تشكيل الدولة العراقية
يمكن القول إن تاريخ أي جماعة بشرية هو تعبير عن فعل الأنا الجمعي في سياقات ثقافية ذات سمة تراكمية، تورث اجتماعيا فتحدد ملامح هوية تلك الجماعة. وإذا كان علماء علم الاجتماع يقسمون المجتمعات إلى قسمين رئيسيين، المجتمعات الثابتة والمجتمعات النابتة ، حيث تنتمي البنية المجتمعية العراقية إلى الصنف الأول الذي يتسم بعمقه الأنطولوجي، ففيه مستويات من الوجود تحت ما يظهر على السطح، أبعد مما يبدو للعيان، كما عبر عنها عالم الاجتماع باسكر، وهذه المستويات التحتية ذات أهمية خاصة لأنها تستطيع أن تفسر ما هو باد لنا.
ولعل البنية العشائرية هي أحد أبرز المكونات الاجتماعية التي تفرض بوجودها مؤثرات قادرة على التحكم بصيغة العلاقات الاجتماعية والسياسية في المجتمع، وذلك من خلال صياغتها لسلوكيات تلزم الأفراد الإقرار بها والتمسك بمبادئها، وهو ما يطلق عليه الوقائع الاجتماعية. وقد أسهمت قوانين الجغرافية والتاريخ في تأطير تلك الوقائع الاجتماعية بقوانين تتحكم بنشوئها وصياغتها، وفرضت عليها وضعا لا يمكن الخروج منه، وهو العيش في إطار مجموعة من القوميات والأجناس المتنوعة أنتروبولوجيا شكلت بمجملها نسيجه الاجتماعي .
لقد تميز المجتمع العراقي بتعددية القبائل والقوميات والأديان، هذه التعددية أفرزت تعددية ثقافية وعقلية وبالنتيجة تعددية في السلوكية الاجتماعية والسياسية.
لقد شكلت قوانين الجغرافية حدودا تبلورت فيها وحدات اجتماعية يطلق عليها القبيلة تقوم بتنظيم العلائق بين أفرادها، وتتمتع بسمات وأفكار مترابطة كسلة متماسكة، ترسم صورة القبيلة كمؤسسة اجتماعية متكاملة ذات مبادئ أساسية متفق عليها، حيث اتسمت القبيلة العراقية بشيوع العقل الجمعي، الكل لأجل الكل، والفرد يدافع عن الآخرين لأنه عضو في الجماعة ولأنه مكفول بالدفاع عنه من قبل الآخرين، فضلا عن شيوع التضامن الآلي، إذ لا يوجد مجال للتفكير والتردد في الدفاع عن القبيلة، إلى جانب ما اتسمت به من سلوكيات مقرونة بالحذر واليقظة والانتباه والجدية في أحيان كثيرة.
العشيرة هي مجموعة من الأفراد ينتمون إلى نسب واحد يرجع إلى جد أعلى، وتتكون من عدة بطون أو من عدة عوائل، وغالبًا ما يسكن أفراد العشيرة إقليما مشتركا يعدونه وطنا لهم، ويتحدثون بلهجة مميزة، ولهم ثقافة واحدة، والعشيرة هي المكون الرئيسي للقبيلة، فتحالف عدة عشائر تتكون القبيلة، وشرط العشيرة أن يتكون أفرادها من نسب واحد، بعكس القبيلة، فالقبيلة قد تتكون من عدة عشائر من أنساب واحدة أو من أنساب مختلفة الجد.
إن المجتمع العراقي يستند في الكثير من سلوكياته إلى قيم العشيرة وهذا ما دفع سلطات الاحتلال البريطاني إلى إصدار قانون (دعاوى العشائر) في سنة 1916م أي قبل تأسيس الدولة العراقية الحديثة في سنة 1921م، وبهذا كانت الدولة العراقية تحكم بقانونين، هما قانون الدولة العام، وقانون “دعاوى العشائر” الذي أصدرته سلطات الاحتلال البريطاني عام 1916م، وظل سارياً طوال العهد الملكي، رديفاً للقانون العام، فكان للحاكم السياسي أو القاضي أن يحيل المتهم إلى مجلس عشائري يتألف من شيوخ للنظر في قضيته، فكانت الدولة العراقية هي الوحيدة التي تسير وفق قانونين.
وعلى الرغم من إلغاء قانون دعاوى العشائر بعد قيام ثورة 1958م، واعتماد زعماء الثورة برنامج تحديث المجتمع وفق مبادئ مدنية، إلا أن عملية التحديث هذه انقطعت وذلك بسبب تأثيرات موجات الهجرة في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي من الريف إلى المدن الكبرى التي أدت إلى انتشار قيم الريف والعشيرة في المدن (متمثلة بالعصبية القبلية ونوازعها، ووجود الجماعات غير المتعلمة وما يرتبط بسلوكها ونشاطها الاقتصادي من قيم غير مدنية)، وبذلك فأن عملية التحضر في العراق تحولت من عملية تمدين الريف وتحضيره، إلى عملية ترييف المدينة، وفي سبعينيات القرن الماضي اتخذت الحكومة العراقية آنذاك قرارا يمنع المواطنين الإفصاح عن ألقابهم أو التداول بها في خطوة كان من المعتقد إنها ستساهم في انحسار تأثير الانتماء العشائري على ولاء المواطن العراقي.
لقد قادت الأوضاع التي نشأت بعد (الحرب العراقية – الإيرانية) وحرب تحرير الكويت في 1991م، وانتفاضة معظم المدن العراقية في آذار 1991م ضد نظام صدام، إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق مما دفعه إلى اللجوء إلى التنظيم العشائري لفرض سيطرته على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر وأشكال التنظيم العشائري، لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب، وعادت العشائر لتكسب قوتها ونفوذها من جديد ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها، فقامت بملء فراغ الدولة من خلال توفير الحماية لأفرادها وتولي مهمة القضاء القائم على الأعراف، وهكذا عادت العشائر لتنمو من جديد في عقد التسعينيات، بأعقاب استعانة النظام البعثي بسلطة شيخ العشيرة، بعد فقدان نظام صدام لهيبة السلطة وتذمر طبقات شعبية واسعة من حكمه، فشعرت السلطة البعثية بحاجتها إلى العشائر لتساندها في مهمة ضبط الأمن واستعانت بالقوى التاريخية المتمثلة بالعشيرة كقوة ضبط بدائية تعزز أداة الضبط الحديثة المتمثلة بسلطة الدولة، وبذلك ظهر ما يسمى “شيوخ التسعينات” وهي زعامات عشائرية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية ولكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها وربطهم بأجهزة السلطة من خلال تنظيمهم حزبيا وامنيا.
في سنة 2003 شكلت عملية إسقاط نظام حكم البعث في العراق ملامح جديدة في الساحة العراقية، فبعد انهيار الجيش العراقي وأجهزة الأمن الأخرى وحدوث حالة من الفوضى غير المسبوقة في تاريخ العراق، واجه المجتمع العراقي وأفراده صعوبة في الحصول على ما توفره له مؤسسات الدولة من متطلبات العيش الآمن، مما أجبر الفرد العراقي بالعودة إلى مرجعياته الاجتماعية وكانت العشيرة أبرز تلك المرجعيات، وذلك سعيا وراء الأمن والحماية التي توفرها العشيرة وفق تقاليدها المعروفة، كما نلاحظ إن أغلب التنظيمات السياسية التي مارست العمل السياسي بعد سقوط نظام صدام الدكتاتوري قد تأثرت بالقيم العشائرية بشكل واضح في طريقة إدارتها للدولة العراقية سواء في إدارتها لشؤون التنظيمات الداخلية أو طريقة حكم الدولة.
ونتيجة لتطبيق النظام الديمقراطي في العراق القائم على الانتخابات، سعى أغلب المرشحين إلى كسب ود عشيرته لضمان تصويت أفرادها لصالحهم، انطلاقا من النظر إلى العشيرة كقاعدة جماهيرية متماسكة مما يجعلها رقما كبيرا في المعادلات الانتخابية.
وفي ظل ضعف أجهزة الدولة الأمنية وعدم قدرتها على ضبط الأمن وتزايد العمليات الإرهابية لجأت الحكومة إلى العشائر للحصول على دعمها في ضبط الأمن من خلال تشكيل الصحوات ومجالس الإسناد العشائرية منذ سنة 2008 حتى وصل عدد مجالس الإسناد في سنة 2010 إلى 242 مجلسا تضم ما يقارب 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية، كما لجأت العديد من العشائر الى تنظيم مؤتمرات وتجمعات عشائرية ضخمة في محاولة لإعادة تنظيم أفرادها وإظهار حجم قوتها الاجتماعية والسياسية، وبتأييد ودعم من شخصيات سياسية رفيعة، مما دفع الكثير من الأفراد العاملين في مؤسسات الدولة إلى إضافة ألقابهم العشائرية إلى أسمائهم كدلالة واضحة على تنامي الشعور بالولاء للعشيرة لدى الفرد العراقي. ومما سبق يمكن أن نؤشر الحقائق التالية:
إن العشائر العراقية ظلت تلعب دوراً موازياً لدور الدولة سواء في الريف أو المدينة، وذلك كلما ضعفت سلطة الدولة في الأزمات والتوترات السياسية، خصوصا إن الأزمات قد شكلت السمة الغالبة في مراحل الدولة العراقية.
إن العشيرة ما زالت تشكل وحدة اجتماعية قائمة وفاعلة لها شخصيتها المعنوية في المجتمع العراقي الريفي والمدني، وذلك بسبب عدم انتقال البلاد إلى مستوى من التحديث الصناعي يؤهلها إلى تجاوز التجمعات القبلية والعشائرية.
إن نفوذ العشائر الاجتماعي وثقلها السياسي، في مراحل تاريخية مختلفة، فرض على الدولة العراقية أن تتعامل مع هذا الواقع، وبطريقة تضمن توظيف العشيرة بشكل براغماتي، وذلك على الرغم من أن تعزيز دور العشيرة يضعف دولة المؤسسات.
إن لجوء الأفراد إلى العشيرة في أوقات الأزمات للحفاظ على حياتهم وممتلكاتهم، ولجوء الدولة للعشيرة لتعزيز سلطتها على المجتمع، يعكس ضعفا واضحا في فرض سلطة القانون، وإذا ما كان تطبيق سلطة القانون يواجه عقبات كبيرة تفرض على الدولة التعاون مع العشائر في مرحلة ما، فمن الواجب اللجوء إلى كل ما يدعم تثبيت سلطة الدولة حتى تقف على قدميها.
إن الفكر السياسي يتحول إلى سلوك وممارسة سياسية يتبلور بداخلها شكل الحكم وطبيعة النظام السياسي في الدولة، وبما إن قيم العشيرة راسخة في سلوكيات الفرد العراقي، ولما كانت العشائر العراقية بمجملها لا تحمل في موروثها تجربة سياسية يمكن الاعتداد بها، نتيجة لأسباب ذات منشأ وجذور تاريخية، ولان العشائر تشكل النسبة الأعظم من مجموع الشعب العراقي، لذا كان انعكاس هذا الواقع يترك بصماته الواضحة ليس على المجتمع المدني فحسب بل على مشروع الدولة برمته، ذلك لأن العشائر لكثرتها ورسوخ تقاليدها هي التي أثرّت في المجتمع المدني الضعيف بدوره سياسياً والمتخلف اقتصاديا، ولم يحدث العكس كما هو مفترض، وهذا ما ترك بصماته على بنية الأحزاب والتنظيمات العراقية التي تبنت أفكار الحداثة والتطور وسيادة القانون إلا أنها لم تتمكن من تجاوز عقبة العرف العشائري.
وفي ظل التحولات المجتمعية السريعة التي يمر بها العراق على الأصعدة كافة، ما المطلوب من العشيرة؟ المطلوب هو أن تركز اهتماماتها لا على ما هو مرغوب فيه فحسب، بل على ما يمكن إنجازه عمليا في الواقع. ومن الطبيعي أن العشائر العراقية في عملها، كما في الخطوط السياسية الأخرى، إن اندفعت بتكريس البحث من أجل مصالح المجتمع فإنها في الوقت نفسه ترسي أسس دولة متماسكة.
وفي إطار هذه المسارات لابد أن نتذكر أن العشيرة كقوة متماسكة في وجه العوامل البشرية والطبيعية تعترضها أخطار. لكن الأمر يصبح أكثر خطورة عندماتصبح العشيرة جزءا من المحتل وتروج لمفاهيمه وسياساته، أو عندما تتحول الوحدة العشائرية إلى أداة للدولة وبالتالي تفقد وظيفتها كجزء فاعل من المجتمع المدني. كما يتجسد الخطر الآخر في العودة إلى الانقسامية من خلال تحويل القيادة العشائرية من قيادة جماعية إلى قيادة فردية، أو عندما تتحزب العشيرة للطائفة أو الفئة على حساب الوطن، وكذلك عندما تدخل العشيرة في صراع مع العشائر الأخرى على حساب المواطنة لأسباب فردية كحالات القتل والثأر وغيرها. إلى جانب هذا وذاك فإن العشيرة كيان متجدد، وإن أخطر ما يواجهها اليوم عدم قدرتها على تطوير بنيتها الاجتماعية في مجتمع يدخل مرحلة الحداثة (حيث تكون المنزلة مكتسبة وليست منسوبة).
ختاماً يمكن القول إنه إذا كان لهذا المجتمع الأصيل أن يبقى متماسكا في المستقبل وأن يحافظ على هويته مستقلة، فإنه سينظر إلى ثورة 1920 وحرب 1941 ووثبة 1948 وثورة 1958 وما يشهده المجتمع العراقي اليوم في مواجهة الاحتلال، على أنها مراحل في تقدم العراق باتجاه الانسجام الوطني، بالرغم من أن هذه المراحل لم تكن خالية من المظاهر الانقسامية. وتبقى حقيقة أساسية تمدنا بها قرائن التاريخ الحضاري وفلسفة التاريخ أن المجتمعات القائمة على التمايز والتي تتألف حضاريا بفعل الاحتكاك تماما كما يفعل احتكاك الأسلاك السلبية والإيجابية فيشتعل الضياء.

Pin It on Pinterest