الحوزات العلمية

الحوزة العلمية
الحوزة العلمية مصطلح يطلق على المراكز الدراسية التي تضم طلبة العلوم الدينية في الوسط الشيعي، والتي تقع تحت إشراف وإدارة العلماء الكبار ومراجع التقليد العظام. وتنقسم الحوزة العلمية الشيعية إلى مجموعة من المدارس الفرعية، وتحظى باستقلال مادي واقتصادي خاص. فلا تخضع في مواردها المالية والإقتصادية إلى الدعم الحكومي بل يقوم مراجع التقليد بتأمين ما تحتاج إليه الحوزات العلمية من خلال الوجوه الشرعية كالأخماس والزكوات وهدايا المؤمنين.
وقد اختارت الحوزة العلمية وعلى مرّ التاريخ منهجاً دراسياً خاصاً يقسّم- تقليدياً- إلى ثلاث مراحل هي مرحلة المقدمات، والثانية مرحلة السطوح، والثالثة مرحلة الخارج.
ويصدق معنى الحوزة أيضا وبوضوح على أوائل المدارس العلمية التي أنشأها الشيعة في القرون الأولى لتلقي المعارف والعلوم الدينية. وتنقسم الحوزات العلمية إلى الحوزة العلمية الأمّ، والمدارس الفرعية التي تمثل الروافد التي تمد الحوزة العلمية بالطلاب الذي أتموا مراحلهم الدراسية الأولى في تلك المدراس الفرعية. وقد ظهر على مرّ التاريخ الشيعي مجموعة من المدارس العلمية منها: المدرسة النجفية، القمية، البغدادية، الأصفهانية، مدرسة الحلة، مدرسةجبل عامل؛ وقد مثلت كل واحدة من تلك المدارس المحور والقطب الأساسي الذي ترجع إليه جميع الحوزات الفرعية ويستقطب جميع الراغبين للدراسات الدينية في حينها. وتحظى الحوزة العلمية القميّة اليوم بالمركز الأوّل حيث استطاعت استقطاب عدد كبير من الطلاب من شتى البلدان وعلى جميع المستويات.

مفردة الحوزة العلمية
صحيح أنّ وجود مراكز علمية تعنى بفهم الدين وتلقي المعارف الاسلامية يضرب بجذوره في عمق التاريخ الاسلامي، الا أن وسم تلك المراكز بعنوان خاص واطلاق اسم “الحوزة العلمية” على تلك المراكز لم يكن متداولا، بل لم يكن مطروحا حتى في أيام الشيخ عبد الكريم الحائري (قدس) مؤسس الحوزة العلمية القميّة سنة 1313 هـ ش. وإنما شاع إطلاق هذه المفردة في فترة متأخرة وقريبة جداً من عصرنا الراهن.

نبذة مختصرة عن تاريخ الحوزة العلمية
الحوزات العلمية الشيعية:
صحيح – كما مرّ- أن مصطلح الحوزات العلمية من المصطلحات التي شاع استعمالها في السنين الاخيرة الا أن ماهية ما تشير إليه المدارس العلمية التي تقصدها تضرب بجذوها في عمق التاريخ الاسلامي حيث ظهرت مع بزوغ فجر الإسلامي وتأسيس المجتمع الإسلامي في (المدينة المنورة)؛ فلما كانت المدينة المنورة هي المنطلق الأول للرسالة الإسلامية، فلا غرو إذا كانت (المدرسة الأولى للفقه الإسلامي). واستمرت في عطائها كمركز علمي حتى عصري الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) حيث تألقت المدينة في تلك الفترة. وجاء بعد المدينة دور الكوفة بعد أن انتقلت مدرسةالفقه الشيعي من (المدينة) إلى (الكوفة)، وبذلك بدأت حياة فقهية جديدة في الكوفة، وكان لمساجدها والدور العلمية فيها الدور الكبير في تمهيد الأرضية المناسبة لنشوء المراكز البحثية والعلمية فيها. [٢] ومع تأسيس بغداد واتخاذها عاصمة للدول العباسية تحولت هي الأخرى إلى مركز علمي استقطب علماء الشيعة لما توفر فيها من مشايخ كبار كالشيخ الكليني والشيخ المفيد، وكانت المدرسة البغدادية ما بين 260 هـ ق إلى 327 هـ ق المعروفة بفترة الغيبة الصغرى تدار من قبل النواب الأربعة، ثم تواصلت الدراسة والنشاط العملي فيها إلى أن أثيرت الفتنة في منتصف القرن الخامس وتم إحراق مكتبة دار العلم مما اضطر الشيخ الطوسي (ره) إلى الهجرة منها إلى النجف عام 448 او 451 هـ ق ليؤسس هناك المدرسة النجفية التي تحولت بعد مدرسة بغداد إلى المركز الأمّ للدراسات الشيعية. وكان إلى جانب النجف حوزة الحلة العلمية التي تمكنت من حمل راية المرجعية العلمية على يد فقهاء ومراجع كبار كالعلامة الحليوالمحقق الحلي وابن فهد الحلي. في تلك الفترة ظهرت حوزة متنقلة (مشائية) تحت إشراف العلامة الحلي نفسه. [٣] كذلك كان لجبل عامل نصيب كبير في دعم الحركة العلمية الشيعية لما جادت به يراع كبار علمائها كالشهيدين الأول والثاني. [٤] أما المدرسة القمية فترجع جذورها إلى القرن الثاني أو النصف الثاني من القرن الثاني وما زالت تؤتي ثمارها بحمد الله. وكان لانتقال الشيخ عبد الكريم الحائري إليها سنة 1340 ق الدور الكبير في بعث الحياة فيها. وما أن حلّ السيد حسين البروجردي فيها حتى زادت تألقا وحظيت بشهرة عالمية وتحولت بعد إنتقاله إليها إلى أكبر حوزة علمية في الوسط الشيعي. [٥]

• المدرسة البغدادية:
تعود جذور المدرسة البغدادية إلى عصر الامام الكاظم (عليه السلام) وكانت لها الصدارة بعدما برز فيها علماء كبار كابن الجنيد والشيخ المفيد والسيد المرتضىوالشيخ الطوسي وكانت قمة توهجها العلمي في عصر آل بويه إلى منتصف القرن الخامس حيث ظهرت فتنة السلاجقة ودخول طغرل بك السلجوقي بغداد سنة 447 هـ ق مما اضطر شيخ الطائفة وزعيم الحوزة حينها الشيخ الطوسي للهجرة من بغداد إلى النجف الاشرف.
• مدرسة الحلّة:
تعود جذور مدرسة الحلة إلى القرن الخامس على يد حكومة بني مزيد في الحلة. وقد تمكنت من أواسط القرن السادس إلى نهاية القرن الثامن التصدي لزعامة الحركة العلمية في الوسط الشيعي. إلّا أن النزاعات التي حصلت بين ملوك الطوائف بعد سقوط الدولة الايلخانية أضعفت رويداً رويداً الحركة العلمية فيها لتعود الصدارة من جديد إلى المدرسة النجفية. انجبت مدرسة الحلة كبار العلماء ومراجع الدين كابن ادريس الحلي والمحقق الحلي والعلامة الحلي وابن طاووس و….

حوزة النجف الأشرف
حوزة النجف الأشرف العلمية، هي مجموعة من مدارس العلوم الدينية مع علمائها الأعلام الذين تصدوا لتعليم علوم مدرسة أهل البيت (ع) وتربية طلابها. تخرج من هذهالحوزة العديد من فقهاء الأعلام وكبار علماء الشيعة؛ ولهذا تحظى حوزة النجف العلمية إلى جانب حوزة قم العليمة بأهمية فائقة في العالم الإسلامي.
والشيخ الطوسي والعلامة الحلي والشيخ مرتضى الأنصاري من أبرز علماء هذه الحوزة فضلاً عن علمائها المتأخرين الذين ظهروا في الآونة الأخيرة كآية الله الخوئي والسيد السيستاني، كما أن الإمام الخميني مفجر الثورة الإسلامية عندما نفاه الشاه من إيران أتى إلى النجف، واشتغل بالتدريس، ومن هناك واصل مسيرة محاربته ضد حكومة الشاه، و تابع أبحاثه العلمية خصوصاً في ما يتعلق بمبحث الحكومة الإسلامية.

الجذورالتاريخية
اختلفت كلمة الباحثين في تحديد الجذور التاريخية للمدرسة النجفية حيث أرجعها فريق من الباحثين إلى عام 448 هـ ق المقارن لهجرة الشيخ الطوسي من بغداد إلى حاضرة النجف الأشرف، فيما ذهب فريق آخر إلى القول بأنّ الشيخ الطوسي حينما حلّ المدينة كانت حوزتها وحلقات الدرس والبحث قائمة بجوار مرقد أمير المؤمنين عليه السلام.[١] وذلك اعتماداً على الشواهد والقرائن التالية:
• ما ذكره ابن طاووس، حول رحلة عضد الدولة الديلمي إلى النجف الأشرف سنة 370 هـ ق والذي جاء فيه: وتوجّه إلى المشهد الغروي يوم الاثنين، ثاني يوم وروده وزار الحرم الشريف، وطرح في الصندوق دراهم، فأصاب كلُّ واحد منهم إحدى وعشرين درهما، وكان عدد العلويين ألف وسبعمائه اسم [فقيه]، وفرّق على المجاورين وغيرهم (خمسه آلاف درهم)، وعلى القراء والفقهاء ثلاثه آلاف درهم.[٢]
• ما ذكره النجاشي [٣]من أنّه التقى قبل ذلك بعلماء الشيعة في النجف كالمحدث الكبير هبة الله بن أحمد الكاتب الشهير بابن برنِية. واستجازة النجاشي من الشيخ أبي عبد الله الخُمري: فقد قال في معرض حديثه عن كتاب “عمل السلطان ” للبوشنجي ما لفظه: أجازنا بروايته أبو عبد الله الخُمري الشيخ الصالح في مشهد مولانا أمير المؤمنين عليه السلام سنة أربعمائة.[٤]
• ما جاء في ترجمة النجاشي لأبي الحسن إسحاق بن حسن العقراني التمّار: رأيته بالكوفة وهو مجاور، وكان يروي كتاب الكليني عنه.[٥]
• حضور بعض الشخصيات العلمية والدينية الكبيرة في النجف الشيخ الصدوق وسماعه الحديث عن محمد بن علي بن فضل الدهقان[٦] مضافاً إلى إقامة بعض نقباء الشيعة كابن سدرة في النجف، مع وجود بعض البيوتات العلمية كآل الطحّان.[٧]كلّ ذلك يكشف عن وجود حركة علمية في تلك الحاضرة قبل انتقال الشيخ الطوسي إليها.[٨]
وبعد أن انتقل الشيخ الطوسي إلى حوزة النجف الأشرف مرّ عليها حالات من المدّ والجزر.
عصر التأسيس
يُؤرخ لهذه المرحلة بالفترة التي ضمّت ما بين دخول الشيخ الطوسي إليها وما بين وفاته، أي ما بين 448هـ ق و460هـ ق. وكان من قبل قد تتلمذ على يدالشيخ المفيد المتوفى سنة 413هـ ق والسيّد المرتضى علم الهدى المتوفى سنة 436 هـ ق، ولما توفي المرتضى استقل الشيخ بالإمامة والرئاسة، وكانت داره في الكرخ مأوى الناس، وقصد الوفّاد.
فلمّا دخل الملك السلجوقي طغرل بيك بغداد اشعل نار الفتن الطائفية فيها حتى أدّى الأمر مع بدايات وصوله إلى بغداد سنة 447 هـ ق إلى إحراق المكتبة التي أنشأها أبو نصر سابور وزير بهاء الدولة البويهي وكبس دار الشيخ بالكرخ وأخذ ما وجد من دفاتره وكرسيه االذي كان يجلس عليه للكلام، وكان الشيخ حينها في النجف الأشرف. إلا أنّ الشيخ لم يستسلم للحادثة ، بل شمّر عن ساعد الجدّ وصيّر- بالاستعانة بمن التحق به من الطلاب- من النجف مركزاٌ للعلم وجامعة كبرى للشيعة الإمامية، حتى أخذت الرحال تشدّ إليها وتُعلّق بها الآمال، وأصبحت مهبط رجال العلم ومهوى أفئدتهم.
وكان قد أملى كتابه المعروف بالأمالي أو مجالس الشيخ الطوسي في تلك الحاضرة العلمية مما يكشف عن مستوى الانضباط العلمي الذي عمّ المدينة في عصره.[٩]وقد تمثّلت الخطوة الكبيرة الأخرى التي أقدم عليها الشيخ الطوسي في النجف بالاهتمام بشأن الدراسات العليا وتوجيه طلابه نحو الفقه الاستدلاليالاجتهادي.
عصر الركود
يُؤرَخ لهذه الحقبة من تاريخ المدرسة النجفية في الفترة ما بين وفاة الشيخ الطوسي وبدايات القرن العاشر الهجري، وقد ساعدت في الركود مجموعة من العوامل من قبيل:
• رغم نجاحات الشيخ الطوسي في مجالي الفقه والأصول وجهوده الكبيرة في الدفاع عن منهج الفقه التفريعي وإحكام قواعد الاستدلال والاستنباط والدعوة لها.[١٠]إلا أنّ عظمة شخصيته ومكانته العلمية هيمنتا على الوسط الشيعي، فمضت على علماء الشيعة سنون متطاولة وأجيال متعاقبة، ولم يكن من الهيّن على أحد منهم أن يعدو نظريات شيخ الطائفة في الفتاوى، وكانوا يعدون أحاديثه أصلاً مسلماً، ويكتفون بها، ويعتبرون التأليف في قبالها وإصدار الفتوىمع وجودها تجاسراً على الشيخ وإهانة له، مكتفين بشرح آرائه واستجلاء غوامضها، حتى قال الشهيد الثاني[١١]كما يروي ذلك ولده في كتاب المعالم ناقلا عن أبيه قدس سره: إنّ أكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليداً له لكثرة اعتقادهم فيه وحسن ظنهم به.[١٢]
• وإلى جانب هذا نلاحظ أنّ الشيخ بهجرته إلى النجف قد انفصل في أكبر الظن عن تلامذته وحوزته العلمية في بغداد، وبدأ ينشئ في النجف حوزة فتية حوله من أولاده أو الراغبين في الالتحاق بالدراسات الفقهية من مجاوري القبر الشريف أو أبناء البلاد القريبة منه كالحلة ونحوها… وعليه فإنّ الحوزة الجديدة التي نشأت حول الشيخ في النجف كان من الطبيعي أن لا ترقى إلى مستوى التفاعل المبدع مع التطوّر الذي أنجزه الطوسي في الفكر العلمي، لحداثتها.
وأما الحوزة الأساسية ذات الجذور في بغداد فلم تتفاعل مع أفكار الشيخ؛ لأنّه كان يمارس عمله العلمي في مهجره منفصلاً عن تلك الحوزة، فهجرته إلى النجف وإن هيأته للقيام بدوره العلمي العظيم لِما أتاحت له من تفرّغ ولكنها فصلته عن حوزته الأساسية، ولهذا لم يتسرب الإبداع الفقهي العلمي من الشيخ إلى تلك الحوزة التي كان ينتج ويبدع بعيداً عنها.[١٣]
• ومن العوامل التي ساعدت على الركود العلمي انهيار الدولة البويهية التي كانت تمثل الظهير القوي للمراكز العلمية والداعم الأساسي لرجال الفكر والمعرفة، وخصوصاً مع كون البديل تمثل في الحكومة السلجوقية التي لم تألُ جهداً في التضييق على الشيعة وعلمائها.
• ومن العوامل التي ساعدت على ركود المدرسة النجفية ظهور العالم الكبير محمد بن إدريس الحلي المتوفى سنة 598 هـ ق في مدينة الحلة وتمكّنه من خطف الأبصار وتوجيه بوصلة الفكر والعطاء العلمي صوب مدينة الحلّة مما انعكس سلباً على المدرسة النجفية، وخفف من بريقها ليضع حدّاً للتبعية لآراء شيخ الطائفة، وتمكن بعمله هذا من تفعيل منهج الشيخ الطوسي في الاجتهاد والاستنباط القائم على النقد والتحليل وعدم الانبهار بآراء العلماء مهما كانت عظمتهم ومنزلتهم العلمية.

عصر المحقق الأردبيلي
ومع ذلك كله لم تتخلف المدرسة النجفية عن ركب النشاط العلمي، فقد برز فيها شخصيات علمية كبيرة، كأبي علي الطوسيولد الشيخ الطوسي والمتوفى سنة 515 هـ ق، والمعروف في الوسط الشيعي بالمفيد الثانيوكان قد ترك من المصنفات كتابالمرشد إلى سبيل المتعبد وكتابالأمالي.[١٤]ومنهم: ابن شهر آشوب المازندراني، وأبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي صاحب تفسير مجمع البيان، وأبو عبد الله الحسين بن أحمد بن الطحّان. [١٥]والشيخ أبو الوفاء عبد الجبار الرازي والشيخ أبو محمد الحسن بن بابويه القمّيوالشيخ أبو عبد الله محمد بن هبة الله الطرابلسي المعاصران له، وجملة من تلامذة أبيه في النجف الأشرف.[١٦]
ومن الشخصيات العلمية الرفعية التي ترعرعت في أوساط المدرسة النجفية نجم الأئمة رضي الدين محمد الأسترآبادي المتوفى سنة686 ق صاحب كتاب شرح كافية ابن الحاجب وشارح قصائد ابن أبي الحديد.[١٧]ومنهمعبد الرحمان ابن العتائقي صاحب كتاب الإيماقي في شرح الإيلاقي وشرح وتعريب الزبدة في الطب، وكان الرجل من علماء الحلة ثم النجف الأشرف.[١٨] ومنهم صاحب كتاب التنقيح الرائع في شرح مختصر الشرائع الفقيه الكبير المقداد بن عبد الله السيوري الشهير بالفاضل المقداد والمتوفى سنة 826 هـ ق.[١٩] وغيرها من المصنفات التي صدرت لأعلام المدرسة النجفية خلال تلك الحقبة الزمنية.
تمكنت المدرسة النجفية من استعادة هيبتها واسترداد مجدها وريادتها العملية وازدهارها الفكري في النصف الثاني من القرن العاشر الهجري، فقامت بخطوات فاعلة ومؤثرة بسبب توفر مجموعة من العوامل التي ساعدت على ذلك، من قبيل ما قام به الحكّام الصفويون من مد قنوات المياه إليها وتسهيل وصول تلك المادة الحيوية إلى ربوعها، مضافاً إلى الاهتمام بالجانب الأمني وبناء القلاع والأسوار الحهيطة بالمدينة.[٢٠] ولكن من البعيد جدّاً حصر الازدهار العلمي بالجانب المادي والأمني فقط. ومما يؤيد ذلك أنّ الحكام الذين سبقوا الصفويينكالايلخانيين والجلايريين كانوا قد بذلوا جهوداً سياسية كبيراً لتعزيز مكانة النجف وبث الروح فيها لجعلها في مصاف بغداد السنية، ولكن لم يحالفهم الحظ، ولم يكن النجاح حليفهم في إحداث نقلة علمية في الوسط العلمي.[٢١]
فكان للمولى أحمد الأردبيلي المتوفى سنة 993 هـ ق والشهير بالمقدّس والمحقق الأردبيلي الدور الكبير في بث الروح العلمية والازدهار المعرفي في أوساط المدرسة النجفية، وخاصّة بعد رواج منهجه الفقهي القائم على تتبع جميع زوايا الاحاديث والاهتمام بالأحاديث الصحيحة السند- وإن كان علماء السلف قد أعرضوا عنها وأهملوها- واعتمادها حتى لو كانت النتيجة المستوحاة منها مخالفة لمشهور العلماء، الأمر الذي مكنه من استقطاب الكثير من الطلاب والفضلاء إلى حلقة درسه.[٢٢] وقد تخرج من مدرسته الكثير من الأعلام، منهم: شمس الدين محمد بن علي العاملي سبط الشهيد الثاني صاحب كتاب مدارك الأحكام المتوفى سنة 1009 هـ ق،والحسن بن زين الدين ابن الشهيد الثاني المعروف بصاحب المعالم المتوفى سنة 1011 هـ ق.[٢٣] وقد خصّ الشيخ حسن مقدمة كتابه “معالم الدين وملاذ المجتهدين” بأصول الفقه، وجعل بقية الكتاب خاصاً بأبواب الفقه إلا أنّه لم يتمكن من إتمامه. وقد حظيت المقدمة منذ صدورها إلى قرون متوالية باهتمام الفقهاء والأصوليين، وتمكنت من اكتساح الكتب الثلاثة المعتمدة في الدراسة الحوزية قبلها المتمثلة “بشرح العميدي على تهذيب العلامة، وشرح العلامة لمختصر ابن الحاجب وشرح العضُدي على مختصر ابن الحاجب” واستمر الكتاب متألقاً حتى عقود قريبة كأحد أبرز الكتب الأصولية المتداولة في مجال أصول الفقه.[٢٤]
علماء هذه الفترة ونتاجاتهم العلمية رغم قصر هذه المرحلة من عمر الحوزة النجفية إلا أنّها أنجبت طائفة من الأعلام والكتّاب، منهم:
• محي الدين بن محمود النجفي المتوفى سنة 1030 هـ ق كان ماهراً بالشعر والأدب.[٢٥]
• ركن الدين القهبائي، من تلامذة مدرسة المحقق الأردبيلي كان متبحراً بعلمي الدراية والرجال ومن أشهر مصنفاته كتاب مجمع الرجال.[٢٦]
• الملا عبد الله اليزدي المتوفى سنة 980 هـ ق، صاحب الحاشية على قسم المنطق من كتاب تهذيب المنطقوالكلام للتفتازاني، وقد اعتمد الكتاب متناً دراسياً في الوسط الحوزوي.[٢٧]
• الشيخ أبو الحسن الفتوني العاملي النجفي المتوفى سنة 1140هـ ق، لقّب بأفقه المحدثين وصاحب المؤلفات الكثيرة منها: مرآة الأنوار في التفسير، وضياء العالمين في الكلام. ويعد كتابه هذا من أشمل الكتب الكلامية في بابه.[٢٨]وله كتاب آخر تحت عنوان “تنزيه القميين” نفى فيه نسبة القول بالتشبيه والرؤية للمحدثين القميين.
ظهور الأخبارية وأفولها
شهدت المدرسة النجفية- كسائر المدارس الشيعية- في العقد الرابع من القرن الحادي عشر ظهور المدرسةالأخبارية، التي رفع لواءها الميرزا محمد أمين الأسترآبادي المتوفى سنة 1033 هـ ق، وكان قد تتلمذ في النجف على يد كلّ من صاحب المعالم وصاحب المدارك وحصل منهما على إجازة في الرواية. وقد وجّه في كتابه “الفوائد المدنية” الذي صدر سنة 1030 هـ ق نقداً لاذعاً للمنهج الفقهي والأصولي المعتمد في الوسط الشيعي القائم على الموروث العظيم للشيخ الطوسي.
واتهم كبار الطائفة ومجتهديها بالانحراف عن طريق الأئمة عليهم السلام كابن الجنيد وابن أبي عقيل والشيخ المفيد والسيّد المرتضى والشيخ الطوسي فضلاً عن العلامة الحلّي، فوجّه إليهم بالبدعة والعمل بالقياس واعتماد قواعد الكلام وأصول الفقه القائمة على معطيات العقل البشري.[٢٩] وقد انتشرت المدرسة الأخبارية كالنار في الهشيم في حاضرة النجف وغيرها من حواضر ومدن العراق وإيران والبحرين وتمكنت من استقطاب كبار الفقهاء وجرّهم إلى تبني مقولتها.[٣٠]
وقد وجهّت المدرسة الأخبارية ضربة قوّية للمدرسة الأصولية عامّة والمدرسة النجفية خاصّة.[٣١] إلا أنّ الضربة هذه مع شدّتها لم تقعد الحركة الأصولية عن الحركة بل واصل الاتجاه الأصولي طريقه حتى شهدت المدرسة النجفية في تلك المرحلة ظهور علماء كبار وجهابذة مبرّزين:
كالشيخ فخر الدين بن محمد بن علي الطُرَيحي النجفي المتوفى سنة 1085 هـ ق صاحب الكتاب المعروف “بمجمع البحرين” في مفردات القرآن والحديث؛[٣٢] ومنهم المحقق المعروف والمصنيف الشهير بالفاضل الشيرواني المتوفى سنة 1098 أو 1099 هـ ق الذي ارتحل إلى أصفهان مشتغلا بالتأليف والتدريس فصدر له شرح شرائع الإسلام وحاشية على شرح التجريد للقوشجي، وتخرّج على يديه كبار العلماء كالميرزا عبد الله الأفندي صاحب كتاب “رياض العلماء وحياض الفضلاء”، والشيخ حسن البلاغي صاحب كتاب “تنقيح المقال”، والمولى محمد أكمل الأصفهاني والد الوحيد البهبهاني.[٣٣]
وقد برزت عوامل أخرى ساعدت في تعزيز الركود العلمي كالصراع الصفوي العثماني الدائر على الساحة العراقية والخشية من الهجرة نحو الديار العراقية معززاً بالموقف التعسفي الذي اتخذته السلطات العثمانية اتجاه رجال الشيعة وعلمائها، مضافاً إلى الحوادث الطبيعية كانتشار الوباء والأمراض القاتلة و…[٣٤]كلّ ذلك ساعد في إنحسار حركة الهجرة من وإلى النجف الأشرف وانتقال مركز التشيع منها إلى مدينة كربلاء.[٣٥]
الوحيد البهبهاني والتصدّي للحركة الأخبارية لعب الأصولي الكبير محمد باقر بن محمد أكمل الشهير بالوحيد البهبهاني المتوفى سنة 1205 هـ ق دوراً بارزاً في التصدّي للحركة الأخبارية التي وصف تلميذه أبو علي الحائريالمتوفى سنة 1216 هـ ق مدى انتشارها في النجف وكربلاء بقوله:
لقد بلغ من هيمنة المدرسة الأخبارية في العراق عامّة وفي النجف وكربلاء خاصّة قبل انتقال الوحيد البهبهاني إليها، أنّ من يريد أن يمسّك كتاباً للأصوليين يخشتى التنجس به فيمسكه بخرقة مبالغة في القولبنجاستها.[٣٦] إنّ الحركة التي قادها الوحيد البهبهاني في كربلاء أعطت ثمارها في النجف، وقد تخطت الحوزة النجفية مع قدوم تلميذ الوحيد البهبهاني محمد مهدي بن مرتضى الشهير ببحر العلوم والمتوفى سنة 1212 هـ ق، تلك المرحلة وتجاوزت كافة التقلبات التي حصلت في العصر الأخباري متجاوزة لهذه المرحلة إلى مرحلة جديدة.[٣٧] ولا ينبغي تجاهل حقيقة ما للنقود التي وجهتها المدرسة الأخبارية والملاحظات التي سجلتها والتراث الفكري الذي خلفته وخاصّة النتاج الفكري للفقيه المعروف الشيخ يوسف البحراني وكتابه الفقهي القيّم “الحدائق الناضرة” من دور في تعزيز حالة الازدهار والرقي العلمي الذي حصل في تلك المرحلة.
عصر الازدهار
يمكن تحديد عصر الإزدهار بالفترة التي تعود جذورها إلى القرن الثالث عشر الهجري إلى عصرنا الراهن، حيث ازدهرت المدرسة النجفية واستعادت عافيتها ومكانتها في الريادة وزعامة العالم الشيعي. وقد بدأت ملامح هذا العصر بالظهور مع الحركة الفكرية التي قام بها العلامة بحر العلوم بمعية كبار علماء وفقهاء مدرسة الوحيد البهبهاني. فقد بذل تلامذة الوحيد البهبهاني المباشرون وغير المباشرين جهوداً كبيرة في الإجابة عن الشبهات التي أثارتها المدرسة الأخبارية وإثبات ضرورة البحث الأصولي ومكانة القواعد الأصولية في عملية الاستنباط.[٣٨] وتجلّت ثمرة تلك الجهود الكبيرة ببلوغَ علم أصول الفقه القمّة في التكامل، وانفتاح أبواب جديدة في البحث الفقهي نقداً وتحليلاً، [٣٩]مضافاً إلى الحدّ من جموح الاتجاه الأخباري. وقد انتجت المدرسة النجفية الكثير من عيون المؤلفات التي كتبت وفقاً لمنهج البهبهاني، منها:
• مؤلفات العلامة بحر العلوم التي ساعدت في تعزيز المدرسة الاجتهادية وإقصاء الأخبارية عن الساحة العلمية.
• وصل الدور بعد العلامة بحر العلوم إلى الشيخ جعفر بن خضر النجفي المعروف بكاشف الغطاء ليتصدّى لزعامة الإمامية ورئاسة الحوزة النجفية، حيث تمكّن من التصدّي للميرزا محمد النيسابوري المتوفى سنة 1232 هـ ق الذي بذل قصارى جهده وتوسّل بكلّ السبل بما فيها الاستعانة بالحكومة القاجارية لإقصاء الأصوليين من الساحة العلمية، فألف الشيخ رسالته الموسومة بـ “كشف الغطاء عن معايب الميرزا محمد عدوّ العلماء”، وأرسل نسخة منها إلى الشاه فتح علي القاجاري.[٤٠]
• ومن علماء المدرسة النجفية الذين بذلوا جهوداً كبيرة في دعم الاتجاه الأصولي وتفنيد الشبهات التي أثارتها المدرسة الأخبارية: محمد تقي الأصفهاني المتوفى سنة 1248ه ق في كتابه “هداية المسترشدين في شرح معالم الدين”؛ ومحمد حسين الأصفهاني في الفصول الغروية؛ وحجّة الإسلام السيّد محمد باقر الشفتيالمتوفى سنة 1260 هـ ق في كتاب “الزَهْرة البارقة”؛ والشيخ محمد إبراهيم الكلباسي المتوفى سنة 1261هـ ق في “إشارات الأصول”؛ والسيّد محمد المجاهد الطباطبائي سبط الوحيد البهبهاني في كتابه “مفاتيح الأصول”؛ والميرزا أبو القاسم القمّي في “قوانين الأصول”، وقد توّج العطاء الأصولي بما سطّره يراع العالم الكبير الشيخ مرتضى الأنصاري المتوفى سنة 1281 هـ ق في كتابه “فرائد الأصول” المشهور بالرسائل.
مكانة الشيخ الأنصاري في المدرسة النجفية
يعد الشيخ الأنصاري من مبرّزي تلامذة السيّد محمد المجاهد والشيخ علي كاشف الغطاء والشيخ محمد حسن النجفي المشهور بصاحب الجواهر، وقد تصدّى لزعامة الحوزة بعد رحيل أستاذه صاحب الجواهر سنة 1266هـ ق.[٤١] ويعد كتابه “الرسائل” من أفضل المصنفات الأصولية في الوسط الشيعي؛ لما توفر عليه من أبحاث مبتكرة وتنظيم لمباحث الحجّة وفتحه لآفاق جديدة أمام المجتهدين. وقد شقّ الكتاب طريقة في الوسط العلمي ليكون في قمّة المتون الأصولية المعتمدة في الدرس الحوزوي في مرحلة السطوح العالية والذي اعتمد من قبل الكثير من المشايخ والمجتهدين كمحور لانطلاق أبحاثهم الأصولية.
الميرزا محمد حسن الشيرازي
تمكنت مدرسة الشيخ الأنصاري الأصولية والفقهية من إرساء قواعدها وتحكيم أسسها في الساحة العلمية من خلال الجهود الكبيرة التي قام بها مبرّزوا تلامذة الشيخ الأنصاري وعلى رأسهم الميرزا محمد حسن الشيرازي. وكان الميرزا الشيرازي قد انتقل بعد رحيل الشيخ الأنصاري إلى مدينة سامراء ليؤسس هناك حوزة علميةتمكنت من استقطاب الكثير من فقهاء النجف وفضلائها إلى سامراء، متمحورين حول استاذهم الشيرازي -الذي أصبح حينها مرجع الشيعة بلا منازع- لترصين ودعم أسس مدرسة الشيخ الأنصاري الأصولية. ولم تكن المدرسة السامرائية رغم البعد المكاني بمعزل عن الحوزة النجفية طيلة نصف قرن من الزمن.
دور الآخوند الخراساني
شهدت المدرسة النجفية ظهور الكثير من الشخصيات العلمية التي لعبت دوراً مهماً في الساحة الأصولية إلا أنّ الدور الذي لعبه الآخوند محمد كاظم الخراساني المتوفى 1329 هـ ق بقي مميزاً وفريداً بين أقرانه. ومع كونه رحمه الله من خريجي مدرسة الشيخ الأنصاري إلا أنّه عرف باستقلاله الفكري وطرحه الكثير من النظريات التي يختلف فيها مع شيخه ورجال مدرسته.[٤٢] وقد تصدّى للبحث والتدريس، واختص بعلم أصول الفقه ومهر فيه، وجلّى في ميدان التدريس، فعكف عليه بغاة العلم من مختلف الأرجاء، لما امتاز به من نزوع إلى التحقيق والإيجاز والاقتصار على لباب المسائل. حضر عليه المئات، بينهم العشرات من الفقهاء المجتهدين، من أشهرهم:
• أحمد بن علي بن محمد رضا آل كاشف الغطاء(المتوفّى 1344 ه).
• السيّد محمد بن محمد باقر الفيروز آبادي(المتوفّى 1345 ه).
• مرتضى بن عباس آل كاشف الغطاء النجفي(المتوفّى 1349 ه).
• محمد جواد بن حسن البلاغي (المتوفّى 1352 ه).
• أبو الحسن بن عبد الحسين المشكيني (المتوفّى 1358 ه).
• محمد حسين الأصفهاني الكمباني (المتوفّى 1361 ه).
• ضياء الدين العراقي (المتوفّي 1361 ه).
• السيّد أبو الحسن الأصفهاني (المتوفّى 1365 ه).
• السيّد محسن بن عبد الكريم الأمين العاملي(المتوفّى 1371 ه).
• السيّد محمد تقي بن أسد اللّه الخوانساري(المتوفّى 1371 ه).
• السيّد صدر الدين بن إسماعيل الصدر (المتوفّى 1373 ه).
• محمد حسين بن علي آل كاشف الغطاء (المتوفّى 1373 ه).
• عبد الحسين بن قاسم الحلي (المتوفّى 1375 ه).
• السيّد حسين الطباطبائي البروجردي (1292- 1380 ه).
• السيّد عبد الهادي الشيرازي (المتوفّى 1382 ه)…..
و صنّف كتابه الشهير كفاية الأصول الذي يعتبر كتاباً تجديدياً في مرحلته التاريخية ويتّسم بالإيجاز في المطالب والضغط في العبارة. وقد اعتنى به العلماء والمحقّقون شرحاً وتعليقاً وتدريساً، ولا يزال يدرّس في الحوزات العلمية إلى اليوم.[٤٣]


العلوم المتداولة
الفقه والأصول
تمحورت الدراسة الحوزوية فقهاً وأصولاً بعد الشيخ الأنصاري حول آثار وآراء الآخوند الخراساني وخاصّة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن زمام المرجعية والنظام العام في الحوزة النجفية كان ولا يزال بيد خريجي مدرسة الخراساني، اضافة إلى تحوّل حاضرة النجف الأشرف إلى مركز التشيع العلمي بعد الجهود التي بذلها العلمان الأصوليان الوحيد البهبهاني والشيخ الأنصاري.
فقد تمكنت من استقطاب الكثير من بغاة العلم وأصول الفقه من شتّى بقاع العالم كأصفهان وطهران وخراسانوالكثير من مدن العراق ولبنان والهند وباكستان وافغانستان لمواصلة مشوارهم الدراسي والرقي العلمي، هذا من جهة ومن جهة أخرى نرى المدرسة النجفية تبعث بفلذة كبدها من كبار العلماء والمشايخ إلى الكثير من المدن والبلدان ليقوموا بدورهم الفاعل في تنشيط الحركة العلمية وتأسيس مراكز علمية لعبت دوراً في تعزيز الوعي الديني والمعرفي هناك.[٤٤] الكتب الفقهية المؤلفة
مدرسة السيد البروجردي (النجف الأشرف)
شهد النتاج الفقهي النجفي في تلك الفترة عودة المنهج الأصولي الاستنباطي، وظهرت مولفات فقهية استدلالية كثيرة من قبيل:
• . مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة، للفقيه المعروف محمد جواد العاملي المتوفى سنة1226 هـ ق، تلميذ الوحيد البهبهاني الذي جمع في كتابه هذا آراء فقهاء الشيعة الإمامية بطريقة مختصرة ومرتبة ترتيباً جديداً وبصياغة سلسة.
• مسند الشيعة في أحكام الشريعة، للملا أحمد النراقي المتوفى سنة 1245 ه ق، من مبرّزي تلامذة العلامة بحر العلوم والشيخ كاشف الغطاء النجفي، ويُعد الكتاب من الكتب الفريدة في بابه، ويكشف عن شامّة استدلالية عميقة ومعالجة متعددة الابعاد والزوايات للمسائل الفقهية واستقصاء واسع لآراء الفقهاء والمجتهدين.[٤٥]
• جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام، الذي يُعد من الموسوعات الفقهية التي لا نظير لها في الوسط الإمامي حيث تمكن المؤلف الكبير الشيخ محمد حسن النجفي المشهور بصاحب الجواهر والمتوفى سنة 1266 هـ ق من إستقصاء الآراء الفقهية وتتبعها نقداً وتمحيصاً، وكان(ره) من مبرّزي تلامذة السيّد محمد جواد العاملي والشيخ جعفر كاشف الغطاء.
• وقد شهدت تلك الفترة الزمنية صدور مجموعة من الكتب الفقهية من قبيل رسالة “نجاة العباد في يوم المعاد” للشيخ محمد حسن النجفي التي اهتم بها الكثير من العلماء ودوّنوا حولها التعليقات والشروح الكثيرة، وذلك قبل صدور كتاب “العروة الوثقى”.[٤٦] وما يزال بعض الفقهاء يجعلها منطلقاً لبيان فتاواه الفقيه التي يسجلها على هامش تلك الرسالة.
• من أبرز وأهم المتون الفقهية التي أنتجتها المدرسة النجفية في تلك الحقبة كتاب المكاسب للشيخ مرتضى الأنصاري الذي اعتمد وما يزال متناً دراسياً لمرحلة السطوح العالية. بل اعتمد معياراً لمعرفة المستوى الفقهي والاجتهادي للطلاب. ويعالج الكتاب باب “البيع” من الفقه والمواضيع المتحمورة حوله بطريقة استدلالية معمقة مع عرض مفصل للآراء المطروحة في المسألة مزينة بتطبيقات كثيرة ودقيقة للقواعد الأصولية والفقهية المطروحة. وقد حظي الكتاب باهتمام كبير من قبل المجتهدين والفقهاء شرحا وتعليقاً مما يكشف عن الأهمية الكبيرة للكتاب وقيمة العلمية.
• شهدت هذه الحقبة تدوين الكثير من الحواشي والتعليقات والتقريرات، وقد حمل- غالباً- لواء هذه المهمة الكبيرة تلامذة الشيخ الأنصاري المباشرون وغير المباشرين.[٤٧]
• العروة الوثقى، وتعد من أشهر الكتب الفتوائية التي سجّل فيها السيّد محمد كاظم اليزدي الطباطبائيفتاواه الفقهية بطريقة شاملة وبعبارات سلسلة وبتنظيم جيد وتفريعات كثيرة خاصّة في باب المسائل المستحدثة إلى عصر المؤلف. وقد تمكن الكتاب من شق طريقه إلى الوسط العلمي ليحلّ محل رسالة “نجاة العباد” للشيخ صاحب الجواهر. وقد تمكنت كلّ من رسالة “وسيلة النجاة” للسيّد أبو الحسن الأصفهاني، ورسالة “منهاج الصالحين” للسيّد محسن الحكيم، من شقّ طريقهما كمحور للدرس والتحقيق العلمي والاستدلالي.
علم الرجال
حظي علم الرجال- لما له من أهمية في عملية الاستدلال الفقهي وغيره من الدراسات العلمية- بمكانة خاصّة في المدرسة النجفية حيث تصدّى الكثير من أعلامها للخوض في غمار هذا البحر وتدوين عيون المصنفات الرجالية، كرسالة “عديمة النظير في أحوال أبي بصير” للرجالي المعروف السيّد أبو تراب الخوانساري. وكتابتنقيح المقال للمولى عبد الله المامقاني، وموسوعة “معجم رجال الحديث” لآية الله السيّد أبو القاسم الخوئي.
العلوم العقلية
لم يكن العطاء العقلي في المدرسة النجفية بالمستوى الرفيع الذي وصلت إليه في مجال الدراسات النقلية والفقه وأصوله والمرتبة السامية في مجال الاجتهاد والاستنباط؛ بل هناك ما يشير إلى وجود موقف رافض ومعارضللدراسات الفلسفية والعقلية.[٤٨]إلا أن ذلك لم يمنع من وجود محاولات حثيثة بذلت من قبل بعض الأعلام لنشر العلوم والمعارف العقلية كالشيخ محمد تقي الكلبايكاني المتوفى سنة1292هـ.[٤٩]
وما إنْ وصل إلى النجف الأشرف تلميذ الحاج الملا هادي السبزواري الآخوند حسين قلي الهمداني المتوفى سنة 1311 هـ ق حتى تمكّن من نشر أفكار ونظريات مدرسة الحكمة المتعالية لصدر المتألهين الشيرازي بين تلامذته ومريديه[٥٠]ورغم الشهرة العرفانية للسيّد حسين البادكوبئي المتوفى سنة 1358 ه. إلا أنّه تمكن من ترك بصماته الكبيرة على الساحة العلمية ونشر العلوم العقلية في المدرسة النجفية.
وكان قد تلقى الفلسفة في المدرسة الطهرانية ثم رحل إلى النجف متتلمذاً على يد كبار علمائها في الفقه والأصول؛ وبعد الفراغ منها شرع في تدريس العقليات والمتون الفلسفية، وقد تمكن من تربية جيل من العلماء يقف في طليعتهم السيّد العلامة الطباطبائي.
والجدير بالذكر أنّ القليل من المشايخ والاساتذة من خريجي المدرسة النجفية قاموا قبل الانتقال إلى النجف أو بعد الرجوع منها إلى موطنهم، بتدريس العلوم العقلية والفلسفية في كلّ من طهران وأصفهان، وقد ألقى ذلك بظلاله على نتاجاتهم في مجال أصول الفقه. من قبيل:
• الآخوند الخراساني، الذي تتلمذ في الفلسفة على يد كلّ من الملا هادي السبزواري والميرزا أبو الحسن جلوه، وقد انعكس ذلك جلياً في كتاب المعروفة بكفاية الأصول.
• وقد سار الشيخ محمد حسين الأصفهاني على نفس المنوال وانعكس ذلك بوضوح على نتاجه الأصولي.
• المولى مهدي النراقي وابنه أحمد النراقي اللذين قاما بشرح الكثير من المتون الفلسفية.
• وكان للمجتهدَين الكبيرين وخريجي المدرسة النجفية في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الميرزا أحمد الآشتياني والشيخ محمد تقي الآملي نشاط بارز في تدريس الفلسفة في الحوزة الطهرانية وتدوين الشروح والتعليقات على بعض المتون الفلسفية.
العلوم النقلية في العقود الآخيرة
شهدت المدرسة النجفية في العقود الأخيرة تحدّياً من قبل الفلسفة الغربية بسبب النظريات والفرضيات التي أثارتها وخاصّة في مجال الفلسفة المادية، الأمر الذي اقتضى الإجابة والرد عليها.[٥١]وقد تمثل الرد في مجموعة من الكتب منها كتاب نقد فلسفة دارون لمحمد رضا مسجد شاهي المتوفى سنة 1362هـ ق وكان قد فرغ من كتابته عام 1331هـ ق في النجف الأشرف، ومنها كتاب “أنوار الهدى” لمحمد جواد البلاغي المتوفى سنة 1352 هـ ق والكتابان في الردّ على المادية والطبيعيين، وقد ركز الكتابان على تفنيد نظرية التطور بسبب تمسّك أتباع المدرسة المادية بها لإثبات مدعياتهم. ومن المؤلفات التي اهتمت بهذه القضية كتاب تفسير مواهب الرحمةللمرجع المعاصر السيّد عبد الأعلى السبزواري المتوفى سنة 1414 هـ ق [1993م].[٥٢]

دور العلامة محمد جواد البلاغي
لعب العلامة محمد جواد البلاغي دوراً كبيراً في الدفاع عن حمى الإسلام والتشيع، وكان في قمّة المدافعين والمنافحين عن الفكر الديني. فقد شهدت الساحة الفكرية مضافاً إلى ما ذكر والجدال التقليدي الشيعي السنّي وظهور المدرسة الأخبارية، ظهورَ مجموعة من الفرق في الوسط الإسلامي كالقاديانية، والوهابية، والبابيةوالبهائية. مضافاً إلى الحركة التبشرية التي قاد لواءها المبشرون النصارى بدعم من الاستعمار الغربي، ففي تلك الظروف المعقدة شمّر البلاغي عن ساعد الجدّ للخوض في غمار هذا المعترك فقرر تعلّم اللغتين الانجليزية والعبرية، وكان ثمرة جهوده صدور مجموعة من المؤلفات كالرحلة المدرسة في ردّ اليهود والنصارى.[٥٣]ومصابيح الهدى في نقد القاديانية ونصائح الهدى في رد البابية والبهائية.[٥٤]
أبو الحسن الأصفهاني
ومن الأعلام الذين تصدّوا للحركة التبشيرية السيّد أبو الحسن الأصفهاني الذي انتدب مجموعة من فضلاء الحوزة العلمية، وأرسلهم إلى مدن وقصبات العراق، منهم حبيب بن محمد المهاجر الذي توجّه إلى مدينةالكوت مرشداً ومبلّغا للأحكام، ثم سار إلى مدينة العمارة- منتدبا من قبل زعيم الطائفة السيّد أبو الحسن الأصفهاني- لمقاومة الحملة التبشيرية التي نمت هناك بمباركة الاستعمار البريطاني، فشرع في إنشاء مستشفى، ومطبعة، وإصدار مجلة سمّاها (الهدى)، وتأسيس مدارس حملت اسم المجلة، وسمت مكانته، واتسع نفوذه ليشمل مناطق شاسعة من جنوب العراق، حتى وجد المبشّرون أنفسهم معزولين تماماً، فاضطروا إلى الرحيل.[٥٥]وكانت المدرسة النجفية قد شهدت ظهور الشيخية الذي اقتضى صدور مجموعة من الردود والمصفنات المفندة لها. فيما تصدّى أعلام المدرسة النجفية للرد على الحركة الوهّابية وكان في طليعتم الشيخ جعفر كاشف الغطاء في كتابه “منهج الرشاد لمن أراد السداد” الذي يُعد أوّل مصنف في ردّ هذه الفرقة.[٥٦]
المدّ الشيوعي وردة الفعل النجفية
تمكنت الشيوعية من التمدد في العراق بحد استطاعت معه النفوذ إلى الوسط الشبابي بل اختراق بعض الخطوط الحصينة واستقطاب مجموعة من أبناء العلماء وبعض طلبة العلوم الدينية، الأمر الذي أثار قلق كبار علماء المدرسة النجفية فرأوا من الضروري الوقوف بوجه هذا التيار الجارف من خلال تشكيل مؤسسات علمية وتربوية تُعنى بمعالجة هذه القضية في جميع قصبات ومدن العراق وبدعم وإرشاد من آية الله السيّد محسن الحكيم.[٥٧] وكان لآية الله السيد الشهيد محمد باقر الصدر (ره) الدور الكبير في هذه المواجهة ومواصلة مسيرة الصراع والتحدّي من خلال كتبه القيّمة فلسفتنا واقتصادُنا والبنك اللاربوي.
النشاط السياسي
لم ينحصر نشاط المدرسة النجفية بالبعد العلمي وبيان المعارف الدينية، بل خاضت أعلامها في غمار الحراك السياسي خاصّة مع إطلالة العصر القاجاري، حيث واجه العالم الإسلامي في تلك البرهة ظاهرتي الاستعماروالاستبداد، وقد تصدّت الحوزة النجيفة التي تمثل أكبر المراكز الشيعية العلمية، لتلك الظاهرة التي تجلت بوضوح في الحوادث التي شهدتها الساحتان الإيرانية والعراقية.
الحرب الروسية الإيرانية
تعد الحرب الإيرانية الروسية من الحوادث المصيرية التي شهدها العصر القاجاري في زمن السلطان فتح علي شاه(حكم ما بين 1212- 1250 هـ ق)، وقد توسل البلاط القاجاري على أثرها بالعلماء ومراجع الدين لمساعدته في خوض غمار تلك المعركة الشرسة، والذي توّج بإصادر الشيخ جعفر كاشف الغطاء وغيره من أعلام المدرستين النجفية والكربلائية حكماً بوجوب الجهاد.[٥٨] والحكم بوجوب مشاركة المجتهدين في الجهاد الدفاعي، بل ذهب أكثر من ذلك حينما أذن– إنطلاقا من منصبه كنائب للأئمة المعصومين عليهم السلام- لـ “فتح علي شاه” بالتصرّف في الحقوق الشرعية لدعم المعركة. وقد ألّف كتابه الموسوم” غاية المراد في أحكام الجهاد” للحث على الجهاد ودفع الجماهير نحو الذود عن بلادهم وذلك بطلب من الميرزا عباس القاجاري.[٥٩] وقد لعب سائر علماء النجف وغيرهم من العلماء دوراً كبيراً في تحريك الجماهير للالتحاق بساحات الجهاد ضد الروس وبدايات الحرب العالمية الثانية وتحرير الأراضي المحتلة حتى أن البعض منهم أصدر حكما بوجوب الجهاد.[٦٠]ولا يقلل من قيمة تلك الحركة اندحار القوات الاسلامية وتراجعها أمام الجيوش الغازية.[٦١]
تحريم التنباك
تعتبر قضية تحريم التنباك النموذج الآخر الذي يعكس الحضور السياسي للحوزة النجفية في الصراع الدائر على الساحة الإيرانية، وإن كان المرجع الكبير الميرزا حسن الشيرازي قد تولى قيادة الثورة من مدينة سامراء التي كان يقطنها آنذاك.
الحركة الدستورية
تمثل الحركة الدستورية (المشروطة) ذروة النشاط السياسي للحوزة النجفية حيث تولى الحراك السياسي في تلك البرهة ثلاثة من كبار المراجع هم: الحاج الميرزا حسين الخليلي الطهراني، والملا عبد الله المازندراني والآخوند الخراساني.[٦٢]وقد تجلّى ذلك بما صدر عنهم من بيانات وفتاوى وبرقيات ورسائل قصيرة تارة ومفصّلة أخرى.[٦٣]وكان هؤلاء الأعلام الثلاثة قد وقفوا في بادئ الأمر إلى جنب المعارضين للحكومة القاجارية وللسياسات الفاسدة لأمين السلطنة الصدر الأعظم لمظفر الدين شاه وأصدروا بياناً مشتركاً يدين تلك السياسة.[٦٤]
وحينما اعتصم كبار علماء طهران وبعض الجماهير في السفارة البريطانية أبرقوا إلى الشاه يطالبونه بالسماح للمعتصمين بالعودة إلى طهران.[٦٥] ثم تواصل دعمهم للمشروطة في المراحل اللاحقة لها. وما أن تصدّى محمد علي شاه لكرسي السلطنة وظهر الاختلاف بين المشروعة والمشروطة حتى وقف هؤلاء الأعلام بقوّة إلى جنب المشروطة “الدستورية” رافضين المواقف المعارضة لها.[٦٦]
موقف العلماء بعد قصف المجلس

مدرسة السيد البروجردي (النجف الأشرف)
ما كان موقف علماء النجف قبل قصف السلطات لمجلس الشورى بالمدافع بتلك القوّة والصرامة؛ إلا أن عملية القصف هذه أحدثت تحولاً كبيراً ونهضة جادّة في المواقف الرافضة للاستبداد.[٦٧]ولاريب أنّ قمع الأحرار ونفي الزعامات الدينية والروحية قد ألقى على كاهل علماء الدين والمراجع مسؤولية الدفاع عن الحركة الدستورية، خصوصاً مع إصرار المستبدة على ادعاء تعارض الدستورية مع تعاليم الدينوالشريعة الاسلامية.[٦٨]
في حين أن غرض علماء النجف من وراء دعم الدستورية، والكفاح ضد الظلم والطغيان والهيمنة الأجنبية، هو توفير الرعاية الاجتماعية وتحسين الحالة المعيشية لعامة الناس وتنفيذ القوانين الإسلامية.[٦٩] وكان العلامةالميرزا النائيني قد أوضح مراد العلماء هذا في كتابه القيّم “تنبيه الأمّة وتنزيه الملة” الذي يعدّ أفضل كتاب صدر في النجف آنذاك عكس نظرياً مبررات موقف العلماء وأسباب دفاعهم عن الحركة الدستورية.
رغم الدعم القوي لعلماء النجف للحركة الدستورية وموقفهم الرافض للاستبداد، إلا أنّ سلوكيات بعض قادة الدستورية بعد الاستيلاء على طهران ونهاية الاستبداد الصغير، أدّت إلى استياء العلماء والتقليل من اشتراكهم في القضايا السياسية ودعهم للمشروطة؛ وذلك بسبب موقف قادة الدستورية الذين كانوا لا يرون ضرورة الرجوع إلى العلماء إلا في بعض القضايا الضرورية من قبيل الموقف من الملا قربان علي الزنجاني[٧٠] الشيخ فضل الله نوري[٧١] لتوفير الأرضية المناسبة وإضفاء الشرعية على موقف متطرفي الحركة الدستورية من هذين العلمين.[٧٢]
فيما تراهم لا يعيرون أهمية تذكر لموقف العلماء في قضايا أخرى كتنفيد الأصل المتمم والتعديل الثاني للدستور وتناقض بعض فقراته الواضح مع أحكام الشريعة الإسلامية.[٧٣] الأمر الذي جعل العلماء النجفيين ينحون منحى آخر، ويتخذون موقفاً صارماً وردود فعل حادة اتجاه المقالات التي صدرت في مجلة الحبل المتين التي تنتقد رجال الدين، والحملات المسعورة التي شنّها السيّد حسن تقي زادة أحد قادة الحزب الديمقراطي ضد المبادئ الإسلامية.[٧٤]
والجدير بالذكر أنّ كلمة العلماء في النجف الأشرف لم تتحد في قضية الدستورية خاصّة بعد إعدام الشيخ فضل الله النوري ومقتل السيّد عبد الله البهبهاني ونفي قربان علي الزنجاني حيث توسعت الفجوة بين حماة الدستورية وحماتها وقويت شوكة المعارضين لها.
التحذير الروسي سنة 1950م
خلقت الأزمة التي اعقبت التحذير الروسي عام 1950م بعد الخطوات الاصلاحية التي قام بها مورجان شوسترالأمين العام لصندوق النقد الايراني، حالة من التوجّه من قبل السياسيين والنخبة صوب الحوزة العلمية في النجف الأشرف، وعلى أثرها دعت المرجعيات الدينية الشعب الايراني إلى الثبات والمقاومة، وأصدرت أمراً يقضي بتحريم البضاعة الروسية واعتبار الجهاد الاقتصادي رديفا للجهاد العسكري وأنّه بمثابة الشهادة تحت لواء الإمام صاحب الزمان عليه السلام؛ مع تبادل الرسائل مع الحكومتين الروسية والبريطانية لمعالجة القضية ورفع الخطر من خلال المراسلات.[٧٥]
وكان العلماء قد قرروا التوجّه صوب إيران بمعية الجماهير الإيرانية والعشائر العراقية وأساتذة الحوزة للتصدّي للاعتداء الروسي، ولما التفّت الجماهير حول رجال الدين وقرر الآخوند الخراساني التحرّك تجاه إيران حصل ما لم يكن متوقعاً حيث توفي الآخوند فجأة في الليلة التي سبقت هذه الخطوة.[٧٦] الأمر الذي أثار الريبة والشك في القضية وأن وفاة الشيخ الآخوند كانت مؤامرة مدبرة، وبموته أسدل الستار على مرحلة من مراحل عمر الحوزة النجفية السياسي.[٧٧]
التدخّل الاستعماري
كان للانتهاك الروسي والبريطاني الاستعماري للأرض الإيرانية وتدخل هاتين الدولتين العظميين في شؤون البلدان الإسلامية الأثر الكبير في إثارة الغضب الشعبي. ومن جهة أخرى كان لانطلاقة الحرب العالمية الأولى بمحورية كلّ من روسيا والبريطانيين الأثر في جرّ الدولة العثمانية إلى خوض غمار تلك الحرب، الأمر الذي أعقب صدورفتوى الجهاد من قبل علماء النجف ونشوب الثورة العراقية ضد البريطانيين.
وكان الغرض من تدخل العلماء وإصدار فتوى الجهاد الحفاظ على أراضي المسلمين من أن تدنسها أقدام الغزاة الكافرين. ورغم أنّ الحرب قد جعلت اهتمام العلماء منصباً حول الأحداث الإيرانية والعراقية إلا أنّ النصيب الأوفر كان للشأن العراقي لما امتازت به الساحة العراقية حينها من حراك وثورة ضد المستعمر الانجليزي، ومن هنا لم يكن للحوزة النجفية موقف صريح تجاه ثورة الشيخ حسين جاهكوتاهي والسيّد عبد الحسين لاري في جنوب إيران، وثورة الميرزا كوجكخان الجنكلي في شمال إيران والشيخ محمد خياباني في آذربيجان.
الإحتجاج على ترحيل الشيخ مهدي الخالصي
أعقبت عملية الترحيل التي تعرّض لها الشيخ مهدي الخالصي إلى الحجاز من قبل القوات البريطانية اعتراضاً شديداً من قبل علماء النجف وخرج على أثرها كلّ من الميرزا النائيني والسيّد أبو الحسن الاصفهاني من العراق اعتراضاً على الإبعاد المذكور[٧٨] وقد حاول رضا خان انتهاز الفرصة لتعزيز مكانته وتحقيق آماله في السلطة بالتظاهر بالطاعة للعلماء وكسب ودّهم.[٧٩] وكان يسعى خلف الكواليس للوصول إلى السلطة مستفيداً من المكانة الكبيرة للعلماء في الوسط الاجتماعي، فالتقى بالعلماء الكبار في مدينة قم كالميرزا النائني والسيّد أبو الحسن الأصفهاني معلنا عن التزامه بالعمل ضمن الإطار الذي يرتضيه العلماء وضرورة اشرافهم على البرلمان والاعتراف الرسمي بالمذهب الجعفري.[٨٠]
الموقف من سياسة رضاخان
شهد العصر البهلوي الأوّل اعراض العلماء في النجف الأشرف وعدم ميلهم للتدخل في القضايا السياسية، وقد اكتفى النائيني برسالة النصح التي وجهها لرضا شاه.[٨١] فيما لم يبد السيّد أبو الحسن الأصفهاني أيّ دعم واسناد للعلماء المعترضين في داخل البلاد.[٨٢] ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى الهزائم المتتالية في المعترك السياسي، والضغوط التي مارستها الحكومة العراقية على العلماء لضبط النفس وعدم الانجرار لمواجهة ساخنة مع الحكومة الإيرانية.[٨٣]
ثورة الخامس عشر من خرداد
ارتبطت الحركة السياسية في النجف الأشرف بالقضايا والأحداث على الساحة الإيرانية منذ قيام ثورة الخامس عشر من خرداد[5 حزيران 1963] وحتى قيام الثورة سنة 1978م. فبعد أنْ تم ّ اعتقال الإمام الخميني والمرجعينالشيخ بهاء الدين المحلاتي والحاج حسن القمّي إثر أحداث الخامس عشر من خرداد أصدر كلّ من مراجع النجف الأشرف السيّد محسن الحكيم والسيّد أبو القاسم الخوئي، والعلماء والمراجع في قم ومشهد والأهوازوهمدان بيانات أدانوا فيها موقف السلطة الحاكمة وطالبوا باطلاق سراح المراجع الثلاثة مطالبين السلطة بالإصغاء لاعتراضات العلماء.
انتقال الإمام الخميني إلى النجف
ما إنْ أطلق سراح الامام الخميني في شهر مارس سنة 1964م، حتى تمّ اعتقاله مرّة أخرى في نفس العام بسبب موقفه الرافض للائحة الكابيتولاسيون التي تمنح الأمريكان الحصانة أمام القضاء الايراني، وترحيله إلى تركيا ومنها إلى النجف بعد عدة شهود بذل خلالها مراجع الدين والعلماء جهوداً كبيرة للسماح له (ره) بالانتقال إلى النجف الأشرف. وكانت الحكومة الايرانية تأمل باختفاء مرجعية الإمام الخميني خلف شعاع مراجع النجف الأشرف وتراجع نفوذه في الوسط الديني والاجتماعي بالتدريج حتى يضمحل في نهاية المطاف. إلا أنّه (رحمه الله) تمكن من الجمع بين التصدّي لقيادة الثورة ومواصلة مسيرة الرفض لنظام الشاه والاهتمام بشؤون المرجعية ومواصلة دروسه وكتاباته العلمية مربياً لجيل من العلماء والفضلاء من الايرانيين وغيره وتوجيه بوصلتهم نحو محاربة النظام البلهوي وقد واصل حراكه العلمي والسياسي حتى الايام الاخيرة التي أبعد فيها من النجف بتنسيق بين الحكومتين الايرانية والعراقية.
هجوم الانجليز وفتوى الجهاد
لعبت النجف الأشرف وعلى مرّ التاريخ دوراً بارزاً في الحوادث والتحولات السياسية والاجتماعية التي شهدهاالعراق. فبعد أنْ دخلت القوات البريطانية العراق عام 1914م من جنوب البلاد واحتلت مدينة البصرة، توجهت الجماهير العراقية والحكومة العثمانية باتجاه النجف الأشرف طالبة المساعدة من علمائها.[٨٤]
فاستجابوا لهم وتحركت مجموعة كبيرة في المحرم من سنة 1333هـ ق متوجهة من النجف الأشرف إلى بغداد بقيادة كبار العلماء كالسيّد مصطفى الكاشاني وشيخ الشريعة الأصفهاني والسيّد علي الداماد المتوفى سنة 1336 ه.والسيّد محمد سعيد الحبوبي، وكان السيّد محمد كاظم اليزدي زعيم الحوزة في حينه قد بعث بولده إلى الجبهات ممثلاً عنه إلى جنب سائر العلماء.[٨٥]
وقد تشكلت جموع غفيرة من المجاهدين قوامها طلاب العلوم الدينية من العرب والإيرانيين.(86) [٨٦] وقد أوكلت قيادة فرق المجاهدين إلى واحد أو اثنين من علماء النجف.[٨٧] فيما قام فريق من فضلاء الحوزة النجفية بالتوجّه صوب العشائر العراقية لحثهم على الجهاد والنهوض بوجه المستعمر الانجليزي.[٨٨] وعلى أثرها تمكنت قوات المجاهدين من إلحاق هزيمة ساحقة بالقوات الانجليزية في مدينة الكوت سنة 1916م/ 1334هـ ق.[٨٩] إلا أن القوات المحتلة تمكنت فيما بعد من احتلال بغداد ومناطق شمال العراق وغيرها من المدن والقصبات.[٩٠]
الاعتراض على احتلال العراق
قاد الانزعاج من الهيمنة الأجنبية على البلاد الاسلامية إلى تشكيل مجموعة من الاتحادات والتكتلات الدينية في النجف بقيادة رجال الدين وبعض البيوتات العلمية الشهيرة،[٩١] ومن أبرزها جمعية النهضة الإسلامية التي قام بتأسيس جناحها السياسي غالباً شخصيات علمائية كبيرة كالسيّد محمد علي بحر العلوم والشيخ محمد جواد الجزائري.[٩٢] وقد انطلقت الشرارة الأولى للثورة في النجف بعد اغتيال الحاكم السياسي فيها “وليم مارشال” سنة 1918م من قبل الجناح السرّي للجمعية.[٩٣] وكانت ردّة الفعل البريطانية عنفية جدّاً فقامت بقمع الثورة بقوّة.[٩٤] إلا أنّ الثورة النجفية كانت بمثابة الشرارة التي أشعلت، ومهدت للثورة العراقية الكبرى سنة 1920م والدور الذي لعبته النجف في تلك الثورة.
وكانت الحكومة البريطانية فقد قررت اجراء استفتاء شعبي يوفر لها الأرضية في مواصلة احتلالها للعراق إلا أنّها واجهت رفضاً علمائياً وشعبياً كبيراً.[٩٥] وقد أصدر الميرزا محمد تقي الشيرازي فتوى حرم فيها ركون المسلمين لحكم الكافرين[٩٦] وبعث ببرقية إلى حاكم مكة يطالب فيها بتأسيس حكومة عراقية بقيادة حاكم مسلم عربي.[٩٧]
وبعد وفاة السيّد محمد كاظم اليزدي وتصدي الميرزا محمد تقي القمّي الشيرازي لزعامة التشيع والمرجعيةاشتدت وتيرة الحراك الثوري.[٩٨] وبعد اعلان الوصايا واعتبار العراق محمية بريطانية عقد الميرزا الشيرازي مجلس استشارياً من العلماء ضمّ بعض علماء النجف وكان السيّد أبو القاسم الكاشاني من أنشط أعضائه.[٩٩]وبعد رحيل الميرزا الشيرازي تصدّى لزعامة الشيعة شيخ الشريعة الأصفهاني فواصلت النجف ريادتها وقيادتها للثورة.[١٠٠]
الحوزة النجفية بعد الثورة
كانت النجف تدار بعد الثورة بصورة مستقلة من قبل “الهيئة العلمية الدينية العليا” التي تعد من أهم التشكيلات التي لعبت دوراً مهماً في قيادة المرحلة، وتضمّ ثلاثة من أبرز العلماء هم: عبد الكريم الجزائريوالشيخ محمد جواد البلاغي والسيّد محمد علي بحر العلوم.[١٠١]وقد بيّن قادة الثورة في النجف وكربلاء أهداف ثورتهم أمام الرأي العام العالمي، وأنّهم دعاة لتحرير بلاده واستقلالها من نير الطغاة المستعمرين، معتمدين في ذلك على المساعدات التي يقدمها مراجع التقليد والدعم الشعبي الذي توفره الجماهير ورؤساء القبائل وبعض التجار.[١٠٢]
وكان الانجليز قد دقّوا إسفين الفرقة في صفوف الثوار بطلبهم التفاوض الذي رفضه أكثر أعضاء الهية العلمية الدينية العليا وعلى رأسهم شيخ الشريعة الأصفهاني.[١٠٣] وقد توالت الحملات البريطانية العنيفة مما أجبر الثوار على التسليم واعتقال الكثير من العلماء الثوريين في النجف وكربلاء، وهروب البعض الآخر منهم كالسيّد أبو القاسم الكاشاني[١٠٤] عراق ونقش علماي مجاهد اسلام، ص 99 وقد انعكس ذلك سلباً على الحركة السياسية في الوسط الحوزوي حيث توقف ذلك النشاط لفترة ليست بالقليلة.[١٠٥]
الحوزة النجفية واحتلال فلسطين
سجلت الحوزة النجفية موقفا ايجابياً قبال الاحتلال الإسرائيلي لفسلطين وخاصة بعد معركة 1967م، تمثل بإدانة الاحتلال والدعوة لنصرة الشعب الفلسطيني وحث المسلمين على مواجهة الغزاة.[١٠٦]
الحوزة النجفية مع الشيوعيين
لم تقف الحوزة العلمية النجفية مكتوفة الأيدي قبال انتشار الفكر الشيوعي في العالم الاسلامي وتصدي الشيوعيين ثم البعثيين للحكم، وقد تمثلت ردّة الفعل بالمعارضة العلنية لهذين الحزبين مما كلّفها الكثير من المعتقلين والشهداء من طلبة وفضلاء ومشايخ.[١٠٧]
تأسيس حزب الدعوة الإسلامية
مثّل تأسيس حزب الدعوة الإسلامية في العقود الأخيرة انعطافة كبيرة في العمل السياسي للحوزة النجفية. وكان تأسيس الحزب قد تمّ على يد فريق من العلماء الشباب كالسيّد محمد باقر الصدر والسيّد مرتضى العسكريوذلك عام 1957م. وكان الهاجس الكبير الذي حرك المؤسسين هو التحدّي الفكري والثقافي والعقائدي والشبهات المثارة أمام الخط الإسلامي، ولم تمض فترة طويلة حتى انجر الحزب للخوض في المعترك السياسي. وكان قادة حزب الدعوة والأخوان المسلمين فرع العرق قد اتفقوا سنة 1960م على تأسيس دولة إسلامية يتكاتف الشيعة والسنّة لإقامتها.[١٠٨] وقد تمكن حزب الدعوة الإسلامية بسبب النشاط المكثف لأعضائه من استقطاب الكثير من الشباب إلى صفوف الحزب، وقد تصدّى مفكرو الحزب للاتجاهين الشيوعي والقومي مما أثار حفيظتم وتعرّض على أثرها السيّد الشهيد محمد باقر الصدر للاعتداءات المتكررة التي قام بها القوميون في مدينة النجف.[١٠٩] وكان السيّد محسن الحكيم من الشخصيات القليلة التي ساعدت وبقوّة على كسر طوق الانعزال والانزواء السياسي عن الحوزة العلمية النجفية.
نشاط الشهيد محمد باقر الصدر
شرع السيّد الشهيد محمد باقر الصدر بنشاطه السياسي في العقد السابع من القرن العشرين وكان حينها من مبرّزي أساتذة الحوزة النجفية، الأمر الذي أثار انتباه المحافل السياسية الشيعية في العراق.[١١٠] وكان لموقف الرفض الذي قاده العلماء غالباً التأثير المباشر في توفير الأرضية للتحرّك باتجاه اسقاط حزب البعث الحاكم، والذي تمثلت بوادره في انتفاضة صفر سنة 1397هـ ق التي جعلت السلطة الحاكمة تدرك مدى تأثير القيادة العلمائه على الساحة السياسية وتحريك الشارع الإسلامي، ومن هنا سعت إلى تضييق الخناق على الشخصيات العاملة ووضع العراقيل في طريق الحركة. [١١١] وكانت انتفاضة رجب قد انطلقت من بيت السيّد الشهيد الصدر على يد مريديه وتلامذته إلا أنّ مصيرها لم يكن بأحسن حال من سابقاتها. [١١٢] وقد انتهت القضية باعتقال واعدام الشهيد الصدر وأخته العلوية بنت الهدي.[١١٣] وقد أعلن السيّد الخوئي عن ادانته لهذه القضية وطالب بالسماح له بمغادرة العراق، إلا أنّ السلطات رفضت ذلك واغلقت حساباتهم المصرفية واعتقلت بعض تلامذته وأعدمت البعض منهم.[١١٤] وعلى أثرها ضاقت الدائرة وازداد الخناق على العلماء وطلاب العلوم الدينية خاصّة بعد انتصار الثورة الاسلامية مما اضطر البعض منهم إلى الهجرة من النجف ليواصلوا نشاطهم الجهادي والسياسي من المهجر.[١١٥]
ضوابط ومقررات النظام الدراسي
لم تفرض الحوزة العلمية شروطاً خاصّة لتلقي العلم كالعمر والمستوى الدراسي الأكاديمي وترك للطالب حرية اختيار الأستاذ، الأمر الذي يفرض على المشايخ والأساتذة الاستعداد الكامل والتهيؤ التام على المستويين العلمي والبياني؛ ليتمكنوا من استقطاب الطلاب على حلقات دروسهم لو أرادوا لها النجاح والاستمرارية. علماً أنّ الأستاذ لا يتقاضى مرتباً شهريا بإزاء ما يلقيه من دروس ومحاضرات وإنمّا يتكفل مراجع التقليد بتوفير ما يؤمن له الحد الممكن من ضروريات الحياة.[١١٦]ويمثل الطالب الركن الثاني من أركان العملية التعليمية ويكفي في حضورهم حلقات الدراسة توفّرهم على بعض المؤهلات والاستعداد لتلقي العلوم والمعارف الدينية.[١١٧]
ويتمّ تأمين مستلزمات الطلاب عن طريق مراجع التقليد والموقوفات والهبات مضافاً إلى الدعم المالي الذي تقدمه المؤسسات الخيرية وأسر الطلبة أنفسهم.[١١٨] وهناك من يُقدّم مساعدات غير نقدية كالقرطاسية وغيرها من المواد التي يحتاجها الطالب.[١١٩] وهناك بعض المدراس تقوم بين الفينة والأخرى بتقديم وجبات طعام كمدرسة قوام.[١٢٠] فيما يفضل بعض الطلاب والمدرسين العملَ وكسب المال بنفسه لتأمين ما يحتاج إليه.[١٢١]
مواطن الطلاب وجنسياتهم
يمثل الطلاب الأجانب العدد الأكبر بين الطلاب النجفيين، وهم ينحدرون من بلدان وقوميات مختلفة، فهناكالباكستاني والهندي والتبتي والسوري واللبناني والبحريني والتركي والإيراني و….؛ وإن كان حضور الطلاب الإيرانيين هو الأبرز والأكبر من بين المجموع.[١٢٢] ومن المناطق التي عرفت برفدها الحوزة العلمية بالطلاب والفضلاء على مرّ التاريخ منطقة جبل عامل اللبنانية، من عصر الشهيد الأوّل (منتصف القرن الثامن)، وأخذ بالازدياد في عصر السيّد جواد العاملي المتوفى سنة 1226ق.[١٢٣]
والجدير بالذكر أنّ المدارس العلمية لم تتخذ- عادة- من جنسية الطالب وهويته معياراً للقبول في صفوفها، لكن هناك بعض المدراس شيّدت خصصياً لبعض الجنسيات كمدرسة العامليين الخاصّة بالطلبة اللبنانيين، والمدرسة الهندية الخاصّة بالطلبة الهنود والمدرسة الإيروانية الخاصّة بالطلبة الأتراك.[١٢٤] وقد شهدت المدرسة النجفية في الأعوام التي تلت سقوط النظام البعثي توافداً على صفوفها من سائر البلدان الإسلامية.
إحصاء الأساتذة والطلاب
يتأثر عدد المدرسين والطلاب في الحوزة النجفية بالعوامل السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي يشهدها العراق.[١٢٥]فعلى سبيل المثال كان عدد طلاب المدرسة النجفية عند احتلال البريطانيين للعراق سنة 1335 هـ ق أكثر من عشرة آلاف طالب، ثم تراجع العدد في سنة 1376هـ ق إلى قرابة الألفين.[١٢٦]
فعندما تشتد الازمة ويضطرب الوضع السياسي أو الأمني يتراجع العدد حيث يهاجر البعض منهم إلى مدارس علمية أخرى وهذا ماحصل فعلا عندما أصاب النجف وباء الطاعون في أكثر من مرّة.[١٢٧]وقد استقبلت الحوزة القمّية الكثير من طلاب وأساتذة المدرسة النجفية إثر الضغوط التي مارسها النظام البعثي ضدهم سنة 1970م والعقود التي تلتها تلتها.[١٢٨]
المراحل الدراسية

المدرسة الغروية (النجف الأشرف)
لم يختلف النظام العام للدراسة في الحوزة النجفية عن سائر المراكز العلمية الشيعية من التوزيع على ثلاث مراحل هي المقدمات والسطوح والخارج.[١٢٩]وتستغرق مرحلة المقدمات ما بين ثلاث إلى خمس سنين[١٣٠] تبدأ بعلوم اللغة العربية حيث يدرس الطالب عادة مجموعة من المتون كمتن الآجرومية، وكتابقطر الندى وبَلْ الصدى، وشرح ابن عقيل، فيما يدرس الطلاب غير العرب كتاب جامع المقدمات الشامل لمجموعة من الكتب (الأمثلة، شرح الأمثلة، صرف مير، التصريف، عوامل النحو، الهداية، وشرح الأنموذج والصمدية).
ثم مواصلة دراسة الأدب العربي من خلال دراسة كتابالنهجة المرضية (شرح السيوطي لألفية ابن مالكالمعروف بشرح السيوطي)، وكتاب مغني اللبيب.[١٣١]ومن المتون التي يدرسها الطالب كتاب المطوّلوالمختصر للتفتازاني في البلاغة والمعاني والبيان،وحاشية الملا عبد الله وشرح الشمسية لقطب الدين الرازي ومنطق المظفر.[١٣٢] مضافاً إلى كتاب تبصرة المتعلمين العلامة الحلي أو بعض الرسائل العملية في الفقه.[١٣٣]
وهناك من الطلاب من يحضر في الأثناء دورات تأهيلية لتلقي فنون الخطابة بطريقة عملية.[١٣٤] أمّا مرحلة المباني والتي تعرف بمرحلة السطوح فيتم التركيز فيها على علمي الفقه وأصول الفقه حيث يدرس الطالب من المتون الفقهية كتاب الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية المعروف بشرح اللمعة للشهيد الثاني المتوفى سنة 966هـ ق، وكتاب المكاسب للشيخ مرتضى الأنصاري.
وأمّا المتون الأصولية فتتم دراسة كتاب معالم الدين للشيخ حسن بن زين العابدين الجبعي العاملي المتوفى سنة 1011هـ ق، وكتاب الرسائل للشيخ مرتضى الأنصاري وكفاية الأصول للآخوند الخراساني.[١٣٥] ومن المتون التي يدرسها الطالب في هذه المرحلة: كتاب دراية الحديث للشهيد الثاني أو ما يعادلها من كتب دراية الحديث؛ وكتاب منظومة الملا هادي السبزواري والأسفار الأربعة لصدر المتألهين الشيرازي في الفلسفة؛ وشرح الباب الحادي عشر للعلامة الحلي وشرحه لتجريد الاعتقاد للخواجة نصير الدين الطوسي في الكلام؛ مضافاً إلى بعض الدراسات التفسيرية.[١٣٦]وتستغرق هذه المرحلة –عادة- ما يقرب من أربع سنين.[١٣٧]
الدراسات العليا (البحث الخارج)
تمثل مرحلة الدراسات العليا المرحلة الأخيرة في سلسلة الدرس الحوزوي، وتبدأ بعد الفراغ من مرحلتي المقدمات والسطوح لمن يريد مواصلة المشوار الدراسي والوصول إلى مرتبة الاجتهاد والتوفر على ملكة استنباط الحكم الشرعي.[١٣٨] علماً أن المدرسة النجفية لا تخضع الطالب للاختبار في المواد التي تلقاها ولا تمنحه وثيقة علمية.[١٣٩]
نعم، حينما يصل الطالب إلى مرتبة رفيعة من العلم أو يصل إلى مرحلة الاجتهاد يُمنح من قبل أستاذه “إجازة” تكشف عن مستواه العلمي، وأنّه مؤهل لاستنباط الأحكام الشرعية من مصادرها الأصلية.
أماكن الدراسة
يلقي الأساتذة والمشايخ دروسهم الدينية في أماكن مختلفة، كباحات الصحن العلوي، والمساجد، وأضرحة العلماء كضريح الشيخ الطوسي، وبيوت العلماء والمدرسين.[١٤٠]
• الصحن العلوي، ويعدّ المركز الرئيسي لاجتماع الأساتذة والطلاب.[١٤١]وعادة ما يلقي العلماء الكبار دروسهم في مساجد خاصّة بهم.[١٤٢]
• المدارس الدينية، تحتضن النجف الأشرف الكثير من المدارس تبلغ قرابة الـ 54 مدرسة شيّدت من قبل العلماء والتجار والأمراء والولاة الصالحين على مرّ التاريخ.[١٤٣]وتعدّ المدرسة المرتضوية من أقدم تلك المدارس التي كان السيّد حيدر الآملي يسكنها سنة 786 هـ، وأعاد الشاه الصفوي عباس الأوّل ترميمها وعمارتها مرّة أخرى.[١٤٤] ومنها المدرسة التي شيّدها المقداد السيوري المتوفى سنة 828 هـ ق، والتي اعاد ترميمها وعمارتها شخص يسمى سليم خان فعرفت بالمدرسة السليمية.[١٤٥] ومن المدارس النجفية مدرسة: قوام، والقزويني، والبادكوبي، والهندي التي قام بتشييدها شخصيات حكومة وتجارية، ومنها: مدرسة الايرواني الشربياني والآخوند الخراساني والسيّد الطباطبائي والبروجردي التي شيّدها مراجع الدين والعلماء ونسبت إليهم.[١٤٦]
الحرية في اختيار الأستاذ
يُترك لطالب العلوم الدينية حرية اختيار الأستاذ.[١٤٧] وقد تعقد الحلقة الدراسية بحضور طالب واحد، وإنْ كان المتعارف عقدها بحضور ما لايقل عن ثلاثة طلاب.[١٤٨] ويعتمد نظام الدراسة النجفية طريقة الحلقات الذي تضرب بجذورها إلى عصر الشيخ الطوسي، حيث يتكئ الأستاذ على إحدى الأسطوانات أو الجدران، فيتحلق الطلاب من حوله، ثم يشرع بإلقاء الدرس مبتدأ بالصلاة على محمد (ص) وآله المعصومين (ع)، وقراءة مقطع من المتن الذي يراد دراسته مسلطاً الأضواء على المراد منه وتوضيح المراد منه مع الإصغاء إلى أسئلة الطلاب وإشكالاتهم.[١٤٩]
زمن عقد الدروس
يحدد الأستاذ بالتوافق مع تلامذته زمان ومكان عقد الحلقات الدراسية، وأمّا البرنامج الدراسي في الحرم فيتوزع على ثلاث فترات زمنية، تبدأ الأوّلى مع الفجر، وتنهي قبيل زوال الشمس. فيما تبدأ الثانية من العصر إلى قبيلالمغرب. أما المرحلة الثالثة فتبدأ بالانتهاء من صلاة العشاء إلى أن يحين موعد إغلاق أبواب الحرم الشريف.[١٥٠]
نعم، تنظيم دروس أبحاث الخارج والحلقات التي يعقدها مراجع الدين الكبار بطريقة يتسنى معها للطالب الحضور عند أكثر من مجتهد في اليوم الواحد وعادة ما تستغرق الحلقة الدراسية 45 إلى 60 دقيقة.[١٥١]علماً أنّ اللغة المعتمدة في النجف الاشرف هي اللغة العربية خاصّة في الدراسات العليا ولكن يحق للطالب الحضور عند مواطنيه من الأساتذة للتعامل بلغتهم الخاصّة.[١٥٢]
العطل الرسمية
يتم تعطيل الدراسة الحوزوية في النجف الأشرف يومي الخميس والجمعة من كلّ اسبوع، وفي شهر رمضانوالأسبوعين الأوّلين من شهر محرم والأيام الأخيرة من شهر صفر لتوفير المجال أمام المبلغين والمرشدين لأداء مهمة الوعظ والإرشاد وإحياء المناسبات الدينية كرحلة النبي الأكرم (ص) وشهادة الإمام الحسين عليه السلام. كذلك يتم تعطيل الدرس الحوزوي بمناسبة وفيات سائر المعصومين (ع) ورحيل أحد مراجع التقليد، والأعياد والمناسبات الإسلامية. وكان العرف السائد في الحوزة النجفية مواصلة الدراسة طيلة أيام السنة باستثناء ما ذكر، الا أن السيّد الخوئي (ره) منح الطلاب عطلة صيفية لمدة 45 يوماً مع التقليل من العطل السابقة.[١٥٣]
المكتبات
مرقد ومكتبة السيد محسن الحكيم
مرقد ومكتبة السيّد الحكيم
مكتبة أمير المؤمنين (ع) العامّة
مكتبة العلامة الأميني
تتوفر النجف الأشرف على الكثير من المكتبات العامّة التي شيّدت لغاية توفير مصادر التحقيق والبحث العلمي التي تقتضيها طبيعة الحاضرة العالمية، ومن هنا كانت النجف وعلى مرّ التاريخ من أبرز المدن التي تزدان بمكتباتها العامرة.
• يضرب تاريخ البعض منها كالمكتبة الحيدرية (وتعرف بالخزانة الغرويةأيضاً) بعمق التاريخ الإسلامي؛ إذ يعود تأسيسها إلى القرن الرابع الهجري، بل إلى ما قبل ذلك التاريخ، مما يعكس مدى اهتمام الفقهاء بهذا الجانب وإشرافهم على تلك الصروح العلمية كالعلامة الحلي. وقد تعرّضت المكتبة إبّان حكم النظام البعثي لإضرار كبيرة، تمكن المشرفون من تلافيها واصلاحها بعد سقوط حكومة صدام حسين لتعود تحت إشراف المرجعية الشيعية إلى سابق عهدها من العطاء العلمي. تقع المكتبة ضمن حرم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.
• مكتبة الحسينية الشوشترية، وهي من أهم المكتبات النجفية التي عفت عليها يد الدهر.
• مكتبة الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، وهي من أبرز المكتبات النجفية التي ما زالت عامرة بعطائها يرتادها طلبة العلم ورجال التحقيق.[١٥٤]
• هناك مجموعة من المكتبات النجفية قد اندثرت ولم يبق لها أثر يذكر، منها: مكتبة مدرسة قوام، والخليلي والآخوند الخراساني؛ فيما حافظت مكتبة السيّد محمد كاظم الطباطبائي وغيرها على مكانتها، وتمكنت من الثبات رغم العواصف التي مرّت بها.[١٥٥]
• أسست مكتبة أمير المؤمنين عليه السلام العامّة على يد الشيخ عبد الحسين الأميني صاحب كتاب الغدير قبل أكثر من خمسين سنة، وتعتبر اليوم من أغنى المكتبات النجفية.
• كذلك مكتبة آية الله السيّد محسن الحكيم التي تقع ضمن بناء المسجد الهندي. وتمتاز بتوفيرها الكتب والمصادر العلمية لطلاب العلوم الدينية ويرتادها بغاة العلم وروّاد المعرفة من سائر الأصناف.
تأسيس المدارس العصرية
• قامت مؤسسة كاشف الغطاء في العقود الأخيرة بخطوات إصلاحية لطريقة ونظام الدراسة الحوزوية في النجف الأشرف، فقامت بتأسيس مدارس على غرار المدارس العصرية، وكانت بدايات ذلك ترجع إلى الخطوات التي قام بها الشيخ محمد رضا المظفر مؤسس “جمعية مُنْتدى النشر” في بغداد والتي عمدت إلى الجمع بين طريقة الطرح الأكاديمي والمحافظة على المحتوى الديني والحوزوي للعلوم، وكانت قد بدأت نشاطها العلمي سنة 1357 هـ ق ثم توسّع نشاطها ليعمّ النجف وسائر المدن العراقية.[١٥٦]
• مدرسة العلامة عزّ الدين الجزائري، أسست في النجف الأشرف سنة 1362هـ ، وتعد من أنجح المدارس الحوزوية العصرية، حيث اعتمدت نظاماً تعليماً متكاملاً مع برنامج واضح المعالم تحدد فيه الأيام الدراسية والعطل مع تعريض الطالب لاختبارات فصلية ومنحه شهادات علمية، والتأكيد على اعتماد طريقة تدريس عصرية وباللغة العربية الفصحى. وقد اعترفت وزارة المعارف بالمدرسة المذكورة فيما قررت وزارة الدفاع إعفاء طلبتها من الخدمة الإلزامية.[١٥٧]
• قام العلامة المظفر سنة 1376هـ ق بتأسيس كلية الفقه في النجف الأشرف التي اعترف وزارة المعارف حينها بمعادلة شهادتها مع الشهادات العليا.[١٥٨]
• جامعة النجف الدينية، قام بتأسيسها سنة 1956م السيّد محمد كلانتر المتوفى سنة 2000م. ورغم وجود الخطوات الاصلاحية لا زالت المدرسة النجفية تعتمد الطريقة التقليدية في التدريس.
المدارس العلمية في النجف الأشرف
اسم المدرسة العلمية المؤسس سنة التأسيس توضيحات
مدرسة المقداد السيوري، السليمية
الفاضل المقداد
826 تعد من أشهر وأقدم المدارس النجفية
مدرسة الصحن الشريف
الشاه صفي (م 1052)
1042 تحتوى على 29غرفة
المدرسة الغروية
الشاه عباس الأوّل
تقع بجوار الصحن الشريف
مدرسة الصدر
محمد حسين خان االأصفهاني مستشارفتحعلي شاه
1226
مدرسة كاشف الغطاء معتمد
الشيخ جعفر كاشف الغطاء
1243 فيها مقبرة آل كاشف الغطاء
مدرسة الشيخ مهدي كاشف الغطاء (المدرسة المهدية)
مهدي بن جعفر كاشف الغطاء
1284 مازالت عامرة باستقبال الطلاب والفضلاء
مدرسة قوام
قوام الملك فتحعليي خان الشيرازي
1300 تعرف باسم مدرسة الرسول الأعظم وتمثل مركزاً لادارة الحوزة العلمية النجفية
مدرسة الإيرواني
الحاج مهدي الإيرواني
1307 للطلبة الآذريين فحسب
مدرسة الخليلي
الميرزا حسين بن ميرزا خليل
1316 تم هدمها سنة 1412 ه.
مدرسة الشربياني
الشيخ فاضل الشربياني
1316 عامرة تستقبل الطلاب
مدرسة الآخوند (الكبري)
الآخوند الخراساني
1327 تسمي بمدرسة الامام الحسن عليه السلام وهي عامرة حتى الساعة
مدرسة كوجك ميرزا حسين الخليلي
1312 هدمت سنة 1412 ه.
مدرسة القزويني
محمد آغا أمين القزويني
1324 ما تزال عامرة
مدرسة الآخوند (المتوسطة)
الآخوند الخراساني 1326 هدمت سنة 1412ه.
مدرسة السيد محمد كاظم اليزدي
السيد محمد كاظم اليزدي
1325 من أفضل المدارس النجفية نشاطاً
مدرسة الآخوند(الصغري)
الآخوند الخراساني 1328
مدرسة بخارائي
محمد يوسف البخاري
1329
المدرسة الهندية
1328 تعرف اليوم بمدرسة الامام الباقر عليه السلام وهي من المدارس النشطة
مدرسة البروجردي الكبرى
السيد حسين البروجردي
1373 من المدارس التي تمّ هدمها
المدرسة المرتضوية
كان يسكنها فيها السيد حيدر الآملي

مدرسة الملا الشيخ عبدالله
ملا عبدالله بن شهاب الدين اليزدي
1273 تم ّ هدمها
مدرسة الحكيم
ما تزال عامرة
المدرسة الشبّرية
السيد علي شبّر

مدرسة دار الحكمة
السيد محسن الحكيم
1326 هدمت سنة 1412ه.
مدرسة الرحباوي
الحاج عباس الرحباوي
1378 من أفضل وأنشط المدارس النجفية
مدرسة الجوهرجي
الحاج محمد صالح الجوهرجي
1383
مدرسة البغدادي
عبدالعزيز البغدادي
1383 ما تزال عامرة ونشطة
مدرسة العاملي
محمد تقي فقيه العاملي
ما تزال عامرة ونشطة
مدرسة الامام المهدي (ع)
ما تزال عامرة
المدرسة الافغانية
الشيخ حسن الافغاني
1384
مدرسة اليزدي الثانية
السيد اسد الله اليزديي ابنالسيد محمد كاظم اليزدي
1384
مدرسة دار العلم
السيد ابوالقاسم الخوئي
قام أزلام صدام بجرفها بعد الانتفاضة الشعبانية
مدرسة الشيرازي
السيد عبدالله الشيرازي
1373
مدرسة العلامة البلاغي
السيد علي السيستاني

جامعة النجف الاشرف
الحاج محمد تقي اتفاق-السيد محمد كلانتر
1382 ه. تعد من أنشط المدارس النجفية

Pin It on Pinterest