الاقليات في العراق

مفهوم الأقلية
تعرف الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية الأقلية بأنها “جماعة من الأفراد الذين يتميزون عن بقية أفراد المجتمع عرقيا أو قوميا أو دينيا أو لغويا، وهم يعانون من نقص نسبي في القوة، ومن ثم يخضعون لبعض أنواع الاستعباد والاضطهاد والمعاملة التمييزية”.

وتعرفها الموسوعة الأميركية بأنها “جماعات لها وضع اجتماعي داخل المجتمع أقل من وضع الجماعات المسيطرة في المجتمع نفسه، وتمتلك قدرا أقل من القوة والنفوذ وتمارس عددا أقل من الحقوق مقارنة بالجماعات المسيطرة في المجتمع، وغالبا ما يحرم أفراد الأقليات من الاستمتاع الكافي بامتيازات مواطني الدرجة الأولى”.

وتصفها مسودة الاتفاقية الأوروبية لحماية الأقليات بأنها “جماعة عددها أقل من تعداد بقية سكان الدولة، ويتميز أبناؤها عرقيا أو لغويا أو دينيا عن بقية أعضاء المجتمع، ويحرصون على استمرار ثقافتهم أو تقاليدهم أو ديانتهم أو لغتهم”.

أما اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة فتعرف الأقليات بأنها “جماعات متوطنة في المجتمع تتمتع بتقاليد خاصة وخصائص إثنية أو دينية أو لغوية معينة تختلف بشكل واضح عن تلك الموجودة لدى بقية السكان في مجتمع ما وترغب في دوام المحافظة عليها”.

ومن هذه التعريفات الأربعة المتقاربة في تحديدها والمتشابهة في صياغاتها تبرز عناصر أربعة ينبني عليها مفهوم الأقلية وهي:
• العنصر الكمي (البعد الديمغرافي)
• تميز الأقلية لغويا أو دينيا (البعد الثقافي)
• اختلال ميزان القوى بين الأقلية والأكثرية وما ينتج عنه من حرمان وإقصاء.. (البعد الاجتماعي)
• حرص الأقلية على بقاء خصوصيتها (البعد السياسي)
“تختلف حالة الأمازيغ من بلد إلى آخر فهم بين النسيان والإقصاء والاستقطاب والثورة تارات وبين الاستيعاب والاندماج تارات أخرى ”
ولا ينطبق أي تعريف من هذه التعريفات بشكل كلي على الأمازيغ بشمال أفريقيا غير أن في كل تعريف عنصرا أو أكثر ينطبق عليهم، فالبعد الديمغرافي للمفهوم لا ينطبق على الأمازيغ إطلاقا، فهم أكثرية على اعتبار أن الأصل العرقي لأغلب ساكنة الشمال الأفريقي أمازيغي. أما البعد الثقافي فينطبق عليهم جزئيا حيث إن أكثرية الأمازيغ قد تعربت منذ دخول الإسلام إلى شمال أفريقيا في حين بقيت أقلية تتداول اللغة الأمازيغية وتختلف نسبتها حسب كل بلد، كما عم الدين الإسلامي مختلف المجتمع الأمازيغي منذ القرن السابع الميلادي، ورغم أنهم ارتدوا 12 مرة –كما يقول ابن خلدون- فقد قبلوا بالإسلام دينا وعم المذهب المالكي شمال أفريقيا، كما تبنى بعض الأمازيغ المذهب الأباضي. ويكاد البعدان الاجتماعي والسياسي ينطبقان عليهم بشكل كلي فعلاقاتهم في أغلب الأحيان -خاصة الأقلية التي تتحدث الأمازيغية- ليست متكافئة مع من

يتكلمون العربية. ويمكن أن نخلص إلى أن الأمازيغ أكثرية ديمغرافيا وأقلية سياسيا وثقافيا.

1- من هي الاقليات في العراق اليوم ؟
يتواجد في العراق أقليات قومية ودينية منذ الاف السنين مثل (شعبنا الكلداني السرياني الاشوري والارمن والصابئة المندائين واليزيد والشبك والكرد الفيليين والكاكائين واليهود) وغيرهم من المكونات القومية والدينية الصغيرة وكانت بعضها تشكل الأكثرية في العراق لكن بمرور الزمن ولأسباب تتعلق بالظروف السياسية والاضطهاد الديني والقومي حصلت تغييرات ديموغرافية وجيوسياسية جعلت من بعض الشعوب والقوميات أقليات صغيرة مهددة بالانقراض والتلاشي

لقد أصبح اليوم مصطلح الاقلية غير محبب ومرغوب فيه لدى ابناء هذه الاقليات والمختصين في عصر الديمقراطية وحقوق الانسان والمرأة والمجتمع المدني وحرية الشعوب في تقرير مصيرها لما يحمله ذلك المصطلح من معاني تدلل على الاضطهاد والعبودية والاستصغاروالضعف في بلدان تفتقر الى ادنى درجات ممارسة الحياة الديمقراطية وعليه أصبح استخدام مصطلح وعبارة المكونات القومية والدينية الصغيرة أكثر قبولاً حيث لا تزال في الكثير من مناطق العالم تعاني من هيمنة وظلم وسيطرة الاكثرية بسبب عدم وجود ضمانات دستورية او ضوابط محددة تحميها من مظالم الاغلبية فتعرضت الى التهميش والاقصاء

ان الاقليات القومية والدينية الصغيرة العراق عاشت عبر الدهور متميزة بانشطتها وحيويتها وامانتها وانتاجها واجادتها العمل ومهاراتها وحذاقتها في مهن عديدة بل وشارك العديد من ابنائها كعراقيين وطنيين بصيرورة النهضة الثقافية ومشروعات تقدم العراق في القرن العشرين

2- دور ابناء الاقليات في نهضة العراق
الأقليات القومية والدينية في العراق ساهمت وبشكل فعال في تطوير الحياة الأجتماعية والأقتصادية والسياسية في البلاد فمنذ تأسيس الدولة العراقية وأبناء هذه الأقليات يشاركون في تسيير الحياة السياسية والمشاركة في ترتيب أوضاع البلاد الأجتماعية والأقتصادية وعكس بقية البلدان فقد تميز العراق بطابعه التعددي والقومي والديني والمذهبي اللافت وظهر هذا في الأثر البادي حالياً على الحياة المجتمعية والأقتصادية والسياسية وكذلك الثقافية في العراق وعملية مراجعة صغيرة للميراث التاريخي والسياسي والثقافي العراقي ستجعلنا نكتشف مئات الأسماء التي تنحدر من هذه الأقليات لعبت دوراً مشهوداً في التاريخ العراقي الحديث جنباً بجنب مع بقية مواطنيهم من أبناء العراق

ومن هنا فإن العراق يعد من “اكثر البلدان ازدحاما بالاعراق والاديان والطوائف القديمة والحديثة فغدا مجتمعه من اكثر مجتمعات المنطقة مشكلات وتعقيدات وتتلون فسيفساء مجتمعه من كل الاطياف
ان مساهمة ومشاركة أبناء هذه الأقليات في بناء ونهضة العراق كانت كبيرة وكيف إنهم نظروا لأنفسهم كعراقيين مواطنين أصلاء عليهم واجبات ولهم حقوق في ظل المظلة العراقية الجامعة لابد من القول بأن بعض هذه الملل والنحل والطوائف والانواع العراقية العريقة هي قديمة جدا عاشت في وادي الرافدين وعلى جانبيه منذ الاف السنين بل ويمنحنا التاريخ جملة من المعلومات الهائلة عن ادوارهم الناصعة في تشكيل الحضارة العربية الاسلامية ومدى ما قدّموه من مشاركات علمية وأدبية ومهنية وحرفية صناعية وثقافية ومعيشية في الالف سنة الاخيرة ولمعت من بين الاقليات اسماء من المبدعين والشعراء والعلماء والاطباء والمهندسين والمترجمين والصنّاع الماهرين وعاشوا في مجتمع متنوع بين الحضر والريف وهم على اتّم حالة من الانسجام والود في الدواخل العراقية وكانوا يتعرضّون لكل التحديات الخارجية اسوة باغلبية العراقيين

3 – حقوق الاقليات في الدستور العراقي الجديد
بعض مواد دستورالعراق الاتحادي اعتبرت الاسلام دين الدولة الرسمي ومصدر اساس للتشريع ولا يجوز سن قانون تتعارض مع ثوابت احكام الاسلام وجاءت مواد اخرى منه تقول انه لا يجوز سن قوانين تتعارض مع مبادىء الديمقراطية وكذلك لا يجوز سن قوانين تتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية الواردة في هذا الدستور بذلك اوقع الدستور نفسه في اشكال وتناقض وان هذا الاختلاف والتقاطع والتناقض في الدستور جعل منه محل خلاف وازمات وصراعات وتوترات مؤجلة وصامتة بين التكتلات والتيارات والاحزاب السياسية ذو التوجه الديني المتشدد والمتعصب من جهة وبين العلمانيين والديمقراطيين والتقدميين والمكونات غير المسلمة من جهة اخرى وهذا ما حصل فعلا عندما قررت مجالس محافظات البصرة وذي قار وبغداد والكوت حظر بيع وتداول المشروبات الكحولية ومضايقة النساء في اجراءات غير حضارية اضافة لذلك داهمت قوة من الشرطة العراقية اتحاد الادباء والكتاب في بغداد وجمعية اشور بانيبال التي تعود رقبتها لابناء شعبنا بحجة منع المشروبات وشمل التشدد ايضا الموسيقى والمسرح والفن والاختلاط بين الجنسين في المدارس

ان مثل هذه الممارسات المتشنجة والسالبة للحريات تعتبراعتداء واضطهاد لحريات وحقوق المكونات القومية والدينية غير المسلمة دستوريا ودينيا وانسانيا واجتماعيا وهو تدخل سافر في الحريات الفكرية والشخصية الذي يتقاطع مع بعض مواد الدستور وفي نفس الوقت يشجع الجماعات المتطرفة والمتشددة والارهابية والعصابات للتمادي والاستمرار في الاعتداء على المكونات غير المسلمة واعطاء الضوء الاخضر لها لابتزازها وتهجيرها وتصفيتها وقتلها لتنفيذ بقية فصول ومراحل المؤامرات والمخططات التي بدأت بعد سقوط النظام السابق 2003 ولا زالت مستمرة لغاية اليوم ويبدو انها لا تنتهي الى ان تصبح هذه المكونات في خبر كان !! واثر بعد عين !! لا سامح الله …

وفي مواد اخرى يضمن الدستورالعراقي الجديد وخاصة في المادة (40) منه لأتباع الديانات والمذاهب في العراق حرية ممارسة الشعائر الدينية وادارة الاوقاف وتكفل الدولة حرية العبادة وحماية اماكنها وتنص المادة (39) على ((أن العراقيين أحرار في الألتزام بأحوالهم الشخصية حسب ديانتهم أو مذاهبهم أو اديانهم أو معتقداتهم أو أختياراتهم))

ويقر الدستور العراقي استخدام اللغات التي تتحدث بها الأقليات القومية والدينية في لمؤسسات الرسمية والخاصة حيث تنص المادة (4 / أولا ً) على ((حق العراقيين بتعليم أبنائهم باللغة الأم كالتركمانية والسريانية والأرمنية وغيرها في المؤسسات التعليمية الحكومية وفقا ً للضوابط التربوية أو بأي لغة أخرى في المؤسسات التعليمية الخاصة)) وتضمن المادة (4 / رابعا ً) على أن ((اللغة التركمانية واللغة السريانية لغتان رسميتان في الوحدات الأدارية التي يشكلون فيها كثافة سكانية)) وتنص المادة (4 /خامسا) على انه ((لكل أقليم أو محافظة أتخاذ اي لغة محلية أخرى لغة رسمية أضافية أذا أقرت غالبية سكانها ذلك بأستفتاء عام))

من جانب آخر يشمل الأقليات مضمون المادة (14) التي تساوي بين جميع العراقيين بلا أستثناء حيث تنص على أن ((العراقيين متساوون امام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الأقتصادي أو الأجتماعي))

4 – تهميش الاقليات
لا زالت الاقليات القومية والدينية الصغيرة في العراق الجديد تعاني التهميش السياسي والاداري فضلا عن استمرار استهدافهم من قبل الارهاب والعصابات والتطرف إن اعمال العنف والتطرف انعكست على الاقليات اكثر من باقي المكونات الاخرى لكونهم الحلقة الاضعف والاسهل في المعادلة السياسية المكونة من اطراف قوية هم الاغلبية مثل الاخوة الشيعة والسنة والاكراد ولهم حصة الاسد في كل مفاصل الدولة وفقا لنظام المحاصصة القومي والسياسي والديني في ديمقراطية البحار !! بعيدا عن معايرالكفاءة والنزاهة والاخلاص في توزيع المناصب والمسؤوليات وان ضغوطا تعاني منها الاقليات فيما يتعلق بحقوقهم وتقرير مصيرهم والحصول على حقوقهم القومية والدينية المشروعة كشركاء اساسيين في الوطن للحفاظ على هويتهم حيث منذ الاحتلال والمكونات الصغيرة فقدوا اشياء اساسية في حياتهم وهي الامن والاستقرار والسلام والمستقبل المضمون والحقوق

وتم اقصاء الاقليات من مواقع صنع القرار والوظائف المهمة والحساسة والقيادية والامنية والعسكرية في الدولة بسبب انتماءهم لدين أخر او قومية اخرى ولا ينتمون للكتل السياسية الكبيرة مما جعلهم غير قادرين على حماية انفسهم ومناطق تواجدهم بسبب انعدم ثقتهم بقوات الشرطة والامن المتواجدة في مناطقهم والتي تديرالامور حسب اهواء وتوجيهات الكتل والاحزاب التي تنتمي اليها وبعضها تكون مخترقة من قبل الارهاب والتطرف والعصابات

ان ما تم الاشارة اليه في اعلاه يدخل ضمن المخطط التأمري المفضوح الذي يستهدف الاقليات ومنهم شعبنا بهدف تطويعهم وتركيعهم وتهجرهم وافراغ العراق منهم حيث يذبحون يوميا من الوريد الى الوريد كالنعاج والطير المصعوق من قبل الارهاب الاسود والتطرف والعصابات وقد اصبح معلوما ان استمرار تنفيذ مثل هذه الجرائم الشنيعة بحقهم يجري امام انظار الحكومة العراقية والبرلمان الاتحادي والكتل السياسية الكبيرة والمجتمع الدولي وهيئة الامم المتحدة من دون اي حلول ملموسة ومقنعة على الارض في الوطن لحمايتهم وضمان حقوقهم القومية والدينية والتاريخية والانسانية المشروعة كأبناء اصلاء لوطنهم وشركاء فيه وليس ضيوف
وكذلك عدم صدور فتاوي شرعية دينية من علماء ومراجع الدين الاسلامي السنية والشيعية لتحريم واستباحة دم واموال ابناء الاقليات بشكل واضح وصريح وكأننا كفار ومشركين في وطننا لهذا لا زال المواطن من ابناء الاقليات خائفا على مستقبله مما يجعله التفكير بالهجرة لايجاد وطن جديد وبديل للامان والعيش الكريم بكرامة وكبرياء …

نقول يا رب السموات والارض خلقتنا في ارض الرافدين ارض الخير والعطاء والنماء ارض الاباء والاجداد عاش معنا خليط متنوع من القوميات والاديان والمذاهب وكلنا بشر نريد ان نعيش معا بشرف او نموت بكرامة وكبرياء بأرضنا ولن نقبل بعد اليوم الا بالحصول على كامل حقوقنا القومية المشروعة والشراكة الكاملة في الوطن ولن نقبل لليل ان يرخي سدوله ليسود الظلام ابدا لاننا ابناء اصلاء لهذا الوطن الجريح حيث يعرفنا التاريخ جيدا ولا نتخلى عنه الا على اشلائنا …

5 – استمرار المخطط لقلع الاقليات من وطنهم
ان استمرار استهداف شعبنا في وطنه يعني ان المشكلة لا زالت قائمة بدون حلول واقعية وان الحماية الامنية والاجراءات والتدابير المتخذة من قبل الحكومة العراقية والبرلمان الاتحادي على الارض ليست جدية وفعالة وكافية ومقنعة حيث شبع شعبنا من الوعود الوردية وكلمات التضامن المعسولة وردود الفعل الاعلامية الرسمية والحزبية والدينية الايجابية للحكومة والبرلمان والكتل السياسية العراقية الكبيرة وبعض رجال الدين بعد كل عملية استهداف شعبنا وما ان تمر بضعة ايام سرعان ما تعود حليمة على عاداتها القديمة !! كما يقول المثل الشعبي وكأن شيئا لم يكن !!

حيث لا زال موقف الحكومات العراقية الاتحادية المتعاقبة على بغداد هشا وضعيفا وغير منصفا فيما يخص حقوق وحماية شعبنا وبقة المكونات الصغيرة ومنذ 2003 ولغاية اليوم ويقتصر على الشجب والادانة والاستنكار ومناشدة ابناء شعبنا بالبقاء وعدم مغادرة الوطن للهجرة من دون اي ضمانات بالحقوق والامن بشكل جدي !! وكذلك يتم مطالبة شعبنا بالصبر والتمسك بالارض والممتلكات العقارية !! في الوقت الذي تتحدث الانباء عن موجه جديدة غير مسبوقة لنزيف الهجرة والنزوح بين ابناء الاقليات اما الى اقليم كوردستان الامن او سهل نينوى او الى خارج العراق (سوريا والاردن وتركيا ولبنان ومصر) كمحطة اولى بحثا عن الامان والعيش الكريم ولكن !! …

اما مزاعم وشكوك بعض المتصيدين والمتربصين بأبناء الاقليات ومستقبلهم بترويج مفاهيم مغلوطة ومغرضة مفادها ان ابناء الاقليات من السهل تهجيرهم لسببين الاول انهم اقل تمسكا وتشبثا بالارض والوطن من غيرهم من مكونات الشعب العراقي والثاني وجود تسهيلات دولية لاستقبالهم كالاجئين بأعتبارهم مضطهدين فعليا في وطنهم لكن واقع حال ابناء الاقليات يقول غير ذلك ويدحض ويفند هذه المزاعم جملة وتفصيلا بما لا يدع مجالا للشك لانهم واجهوا كل المخططات والمؤامرات والصعوبات التي كانت تستهدفهم وتهمشهم ولا زال الكثير منهم يقاوم ويلتصق بالارض والوطن بأيمان وقناعة وثقة لا تهتز وان ابناء الاقليات ومنهم شعبنا قدموا تضحيات جسيمة للتمسك بأرضهم ووطنهم ومبادئهم وحقوقهم وحرياتهم المشروعة لانهم شركاء اساسين فيه بثقة وقناعة حقيقية راسخة ووعي وطني وقومي صادق حيث تحملوا حروب صدام العبثية التي لا معنى لها والحصار الاقتصادي ودفعوا فاتورتها غاليا من دماء وعرق ابنائهم ولم يتركوا ويغادروا وطنهم ..

ومن الاسباب الاخرى لقتل وحرمان وتهميش واقصاء وتهجير ابناء الاقليات هو تسلل وتغلغل مفاهيم ومضامين ثقافية ودينية مغلوطة ومقلوبة ودخيلة الى جسم المجتمع العراقي بغفلة من الزمن الردىء حيث يقوم الارهاب الاسود والتطرف باستغفال عقول الناس البسطاء لنفث سمومهم وتتمحور هذه المفاهيم في تهميش واقصاء والغاء وتكفير المكونات الدينية والقومية الصغيرة (غير المسلمة) حيث بعد سقوط النظام السابق ( 2003) استطاعت التنظيمات الارهابية الدينية والقومية المتطرفة تمرير هذه المفاهيم والطلاسم ان مثل هذه الاساليب الرخيصة والمحرضة والدنيئة ضد ابناء الاقليات غير المسلمة تستند الى بعض الطلاسم والفتاوي المسمومة للفكر المتطرف يصدرها ( فقهاء الدم والموت والاغتصاب ) حيث بموجبها يستبيحون دماء واملاك واعراض ابناء المكونات غير المسلمة ان مثل هذه السموم والفتاوي الحاقدة لهؤلاء المتأسلمون وليس المسلمون يشبه دس السم في العسل الرباني باسم الاسلام والاسلام براء منهم حيث شجعت مثل هؤلاء المجرمون على استباحة حرمة كنيسة سيدة النجاة ودماء المصلين فيها وحرمة بيوت المسيحين في بغداد والموصل وحرمة جمعية اشور بانيبال الثقافية وحرمة محلات بيع خمور ابناء شعبنا اضافة للتهديدات الارهابية والابتزاز والتهجير القسري ترهيبا وغيرها من الاساليب الخسيسة …

ان تهميش واقصاء وحرمان ابناء الاقليات من استحقاقهم الوطني والانتخابي في الوزارات السيادية والمواقع والوظائف المهمة والحساسة في الدولة العراقية وعدم ضمان حقوقهم كاملة دستوريا وفعليا على الارض واستمرار استهدافهم يعني ان ذلك يعتبر مؤشر خطير لعدم قناعة وايمان الحكومة العراقية والبرلمان بحقوقهم المشروعة في وطننا من جهة ومن جهة اخرى تراخيها وعجزها عن اتخاذ اجراءات فعالة وجدية وشاملة لحمايتهم حيث تتحمل الحكومة العراقية والبرلمان المسؤولية التاريخية والاخلاقية في حمايتهم وضمان حقوقهم المشروعة في وطنهم بعيدا عن صيغ قوالب توزيع الاتهامات الجاهزة يمينا ويسارا على الارهاب والعصابات والتي اصبحت غير مقنعة ومن دون تحقيقات مهنية مسؤولة تكشف الحقائق والوقائع والمجرمون بشكل موضوعي

شعبنا مثلا يريد حقوقه المشروعة وفي مقدمتها المحافظة المقترحة له في بعض مناطق سهل نينوى بمشاركة المكونات القومية والدينية المتعايشة فيها وتفعيل المادة 35 من دستور اقليم كوردستان بخصوص الحكم الذاتي وغيرها من الحقوق والتي اتفقت عليها كافة تنظيماتنا ومؤسسات شعبنا السياسية في الوطن وتم رفعها بمذكرات رسمية الى الرئاسات الثلاثة في العراق للموافقة عليها وهي (الجمهورية والوزراء والبرلمان) وشعبنا ينتظر النتيجة لاختبار مصداقية الدولة العراقية في ضمان مستقبل شعبنا في وطنه ونيل حقوقه المشروعة وهنا نشير ان اعداد شعبنا في تناقص مستمر وفقا لاحصاءات ومؤشرات كنسية واممية من يتحمل مسؤولية ذلك ؟ في هذه المرحلة المعقدة لان قضية شعبنا اصبحت قضية موت او حياة ومعهم بقية الاقليات الصغيرة ولا يمكن اغماض عيوننا عنها وترك ديار الاباء والاجداد مهما غلت التضحيات وطال الزمن لا بد ان نحصل على كامل حقوقنا المشروعة دستوريا وفعليا على الارض …

ان تحقيق ذلك سيعطي اشارات ايجابية وجيدة لابناء شعبنا وتنظيماته بضمان حقوقهم دستوريا وبضمانات دولية لتخفيف الضغوط النفسية التي يتعرض لها في وطنه من جراء استهدافه وقتله وظلمة وتهجيره وتفجير مقدساته لاعادة الثقة والتوازن النفسي والسلامة الشخصية له لضمان مستقبله ووجوده في وطنه وحيث لا حلول لحقوق وهموم شعبنا خارج اسوار وطنه وضمن دولة القانون والمؤسسات والمواطنة والديمقراطية.

الأقليات الدينية العراقية في الدستور العراقي الجديد

يٌعتبرالعراق الذي يحتل موقعاً جغرافياً متميزاً في قلب منطقة الشرق الأوسط، بين النهرين الخالدين دجلة والفرات، من أهم البلدان وأكثرها تأثيراً في المنطقة، وذلك من حيث الوزن الإستراتيجي والديمغرافي، وكذلك الثروات الباطنية والزراعية التي منحتها الطبيعة للإنسان العراقي: ذلك الإنسان الذي شيدّ أعظم الحضارات المدنيّة منذ الزمن السحيق. أي في ذلك الوقت الذي كانت فيه المجموعات البشرية تعيش حياة مشاعيّة تقوم على البساطة في العيش، وينتفي فيها التحديد للعلاقات والقوانين التي تربط وتنظم العلاقات المجموعاتية والفردية بين البشر. بينما كان الإنسان العراقي النهري قد حددّ العلاقات بين البشر في تلك المساحة الخصبة بين الفرات ودجلة بمجموعة من القوانين والقيم التي إستقاها من نواميس سنهّا هو بنفسه ومنذ بضع آلاف من السنين قبل ميلاد السيد المسيح: في مثال القانون الذي سنّه الملك البابلي العراقي حمورابي. وبذلك نظر المؤرخون والبحاثة للعراق بإعتباره “يكوّن مع مصر احد أهم الحضارات المدنية في العالم. فهنا في الهلال الخصيب، كانت الخطوات الأولى في مسار التطور البشري والرقي نحو الحضارة والتمدن، تلك الخطوات التي تمأسست عليها الحضارة الإنسانية الحالية. فمنذ الزمن السحيق تكونت هنا الحضارات المدنية الأولى: سومر، بابل، آشور. كما توالت الحوادث العظام : قدوم الإسكندرالأكبر، إنهيارالإمبراطورية الساسانية، بزوغ الإسلام في أواسط القرن السابع للميلاد. وفي سنة 762 ميلادية أختيرت بغداد عاصمة للخلافة الإسلامية العباسية، والتي بقيت مزدهرة ومعطاءة ومركزاً للعلم والمعرفة حتى الغزو المغولي بقيادة هولاكو الذي دمرها وقضى على إشعاعها الحضاري في عام 1258م. ومثل بقية أطراف الدولة الإسلامية الشاسعة فقد استمر الأمر مائة سنة حتى أعتنق جل الشعب العراقي الإسلام، ومع ذلك فأنت ترى اليوم أقليات دينية كثيرة في البلاد، مازالت تحتفظ بدينها وهويتها الدينية والحضارية رغم مرور مئات السنين الطويلة على مجيء الإسلام للعراق”…

وفي تلك المساحة التي تقع بين نهري دجلة والفرات، والتي تشتهر بغناها وتنوعها الإثني والإقوامي والمذهبي اللافت، حيث الموزاييك المختلف المتعايش في نفس الفسحة الجغرافية الواحدة، جاء النظام السياسي الذي حاول الربط عن طريق المؤسسة المسمى بالدولة بين كل تلك المكونات. وبدأ ذلك النظام يتضح شيئاً فشيء عقب إنهيار الإمبراطورية العثمانية وزوال السيطرة التركية عن العراق، والتي إستخدمت فيها الإيديولوجية الدينية (الإسلامية السنيّة تحديداً) للتحكم في بلد كبير وغني ومتعدد الأقوام والملل والطوائف مثل العراق. وعليه فقد “إنتهت الحرب العالمية الأولى لتشهد تحلل الأمبراطورية العثمانية التي كانت في غاية ضعفها و ليتقاسم بقاعها الاستعمارين البريطاني والفرنسي، ثم ليصبح العراق من حصة الاول، فقامت ثورة العشرين التى قادها رجال الدين الشيعة وشيوخ العشائر بوجه الاستعمار{الكافر} وبسبب الخلل الواضح والكبير فى توازن القوى لصالح البريطانيين اٍندحرت الثورة رغم ما قدمته من تضحيات جسام. تشكلت الدولة العراقية على أنقاض ثورة العشرين وبتخطيط ومباركة من المستعمر البريطاني، الذى أوصى باٍستقدام فيصل الاول ليتوج ملكأ على العراق. وكان مطلب قادة ثورة العشرين والذى يٌعبر عن اٍرادة الشعب العراقى هو: اٍقامة دولة ديمقراطية دستورية مستقلة تنبثق عن اٍرادة الشعب، فى حين أصدر مجلس الوزراء العراقي بناءأ على اٍقتراح رئيس الوزراء عبد الرحمن النقيب قراراً جماعياً يٌنادى بفيصل ملكأ على العراق، بشرط أن تكون حكومته: دستورية، نيابية، ديمقراطية ومقيدة بالقانون. ولم يكن ذلك النداء بتتويج فيصل ملكا على العراق بعيدأ عن اٍيحاء وتخطيط البريطانيين ومباركتهم له”.

والحال أن العراق تصدرّ مرة اخرى المشهد الدولي وبقوة، حيث بات المادة الأولى في نشرات الأخبار العالمية، وكذلك أشغلّ أهتمام الكثير من الدول ومراكز البحث، عقب قرار الولايات المتحدة الأميركية إسقاط نظام صدام حسين البعثي(والذي أسقط فعلاً في 9/4/2003/م). نظام صدام الذي سطى على الحكم منذ عام 1968م وحولّ العراق إلى بلد متخلف وجائع، بعد سلسلة الحروب والمغامرات التي خاضها، وقتل مئات الالوف من أبناء الشعب العراقي. حيث بدء تاريخ جديد في العراق عبر تأسيس (مجلس الحكم الأنتقالي العراقي)، وطرح البرامج والأجندة السياسية التي قدمتها الأحزاب الشعبية العراقية، والتي عادت للبلاد بعد أن كانت مطاردة من نظام صدام حسين. ومالبثت هذه الأحزاب أن تحدثت في برامجها عن طروحات جديدة قد يكون العراقي الفرد يسمعها لأول مرة في حياته، مثل “صيغة الفيدرالية” و”الإنتخابات النزيهة” و”التصويت على الدستور” والذي سيراعي كامل ومجمل الخصوصية العراقية المتميزة…

في مبحثنا هذا، سنحاول خوض تجربة “الدستور العراقي” والذي صوّت العراقيون عليه، وسنجاهد في التوقف عند هذه التجرية بالبحث في مكان ومكانة الأقليات العراقية الدينية في هذا الدستور. حقوق هذه الأقليات: كيف نظر الدستور العراقي لهذه الأقليات، وهل أنصفها أم لا؟. هذا هو السؤال الذي أثارّ عاصفة من المناقشات سواء بين أبناء هذه الأقليات، أو بين بقية العراقيين الوطنيين المهتمين بشؤون مواطنيهم المنتمين لأقليات بلاد الرافدين…

العراق الجديد قدمّ في دستوره رؤية جديدة لحقوق أقلياته الدينية، والتي تشترك مع الأكثرية في قيم المواطنة والأنتماء للحيز الجغرافي والتاريخي عينه. لنتأمل مثلاً في دول جوار العراق، ونرى كيف تعامل الأنظمة الجارة أقليات”ها”. وكيف يحدث التخوين والتكفير وكيل الأتهمات بحق الأقليات وأبنائها في كل دول الجوار العراقي: فاتباع مذهب آل البيت من الشيعة مغيبّون تماماً في السعودية، مع أنهم يعدون حوالي مليوني نسمة ويقيمون فوق أرض المنطقة الشرقية، حيث توجد آبار النفط الرئيسية، لكنهم محرومون من حقوقهم التمثيلية والدينية، ومذهبهم غير مٌعترف به إلى جانب التمييز في المعاملة من جهة التمثيل السياسي وغيره في مؤسسات الدولة وتقديم الخدمات لمناطقهم وغير ذلك، هذا ناهيك طبعاً عن حملات التخوين والتكفير التي يشنها رجال دين متنفذون ضدهم جهاراً نهاراً بين الحين والآخر.

حال الشيعة في دولة البحرين(80%) ليس بأفضل من حال أخوتهم في السعودية. كذلك حال السنّة والبهائيين في إيران ذات المذهب الشيعي، فهم يٌعانون من تمييز مذهبي واضح. المسيحيون في بلدان الخليج العربي يشتكون من المعاملة السيئة وعدم السماح ببناء دور العبادة. الأقباط المسيحيون في مصر يٌعانون من ظلم وتجاهل الدولة لهم: هناك قانون من العهد العثماني مازالت الدولة تعمل به( الخط الهمايوني) يعترض على بنائهم لكنائس جديدة، أو ترميمهم لكنائس قديمة، كما أننا نسمع بين الحين والآخر عن حوادث عنف وتقتيل ضدهم( حادثة قتل 22 قبطياً في قرية الكشح 31 ديسمبر 1999م وتستر السلطات على الفاعلين). كذلك حال السنّة واليهود والإيزيديين في سوريا. العلويون والمسيحيون والإيزيديون في تركيا مضطهدون، ويشتكون من سياسة تمييز واضحة تطالهم…

من جانب آخر، هناك خوف عربي حقيقي (على مستوى الأنظمة وكذلك على مستوى القوى الدينية المتزمتة) من الأنموذج العراقي وبشكل خاص فيما يتعلق بمنح الأقليات الدينية والعرقية حقوقها، حيث ان هذه “الأريحية العراقية” تعتبر خرقاً للمحظور السائد في العرف الشمولي لأنظمة الجوار العراقي. والأنظمة في الجوار تتوجس من هذه التجربة الجديدة، ولاتخفي رفضها العلني وعدائها لها، هذا ناهيك عن التدخلات المستترة بدعم الإرهاب واللااستقرار في هذا البلد. هذه الأنظمة الجارة تعتقد بأن “حالة الأستقرار” البادية حالياً لديها، إنما هي نتيجة كبت تطلعات هذه الأقليات وقمع طموحاتها في المساواة ونيل الحقوق. و”إذا كانت هذه الأقليات قد تم ترويضها أو قمعها ومنع تطلعاتها الانفصالية في أوقات زمنية معينة، فهناك مخاطر أن تنتعش هذه التطلعات وتزيد في الآونة القادمة يشجعها في ذلك دستور العراق الجديد الذي أعطي أهمية لحقوق الأقليات وللفيدرالية، وصوّر الأمر على أنه حرية وديمقراطية، بعيدا عن الهوية الدينية أو القومية العربية”.

نعم…العراق الجديد كيف ينظر لحقوق أقلياته، كيف ضمّن الدستور العراقي الحقوق والتشاريع المتعلقة بحياة الأقليات الدينية في بلاد الرافدين؟.

الأقليات الدينية في ظل الدولة العراقية الحديثة:

بادئ ذي بدء، نحاول هنا أن نبيّن معنى الدولة، ماذا نعني بالدولة حين حديثنا عن “نظام سياسي” ما في بقعة جغرافية ما.أن الدولة في العصر الحديث تعرف بأنها “جماعة من الناس منظمة سياسياً تبسط سيطرتها على أقليم محدد يتمتع بالسيادة.” (هادي العلوي – قاموس الدولة والاقتصاد ـ دار الحوار اللاذقية 1997) ويٌعرفها فقهاء القانون الدستوري بأنها شعب يستقر في أرض معينة ويخضع لحكومة منظمة.ومن التعريف يتضح أن للدولة أركان ثلاثة هي: الشعب والأرض والحكومة”.
أما فيما يخص الدولة العراقية الحالية والنظم السياسية التي تعاقبت عليها، وكيف تكونت هذه الدولة، لتتبلور في العراق الحالي، فقد تشكلت الدولة العراقية عام 1920 عقب الحاق السلطات البريطانية ولاية الموصل بولاية البصرة. ” فبعد انتهاء الحرب العالمية الاولى سنة 1918 بدأ الحلفاء بتنفيذ اتفاقية سايكس بيكو، وكان العراق من نصيب بريطانيا العظمى، وفي حينه كان العراق مكــوناً من ثلاث( ولايات)، ولاية الموصل الشمالية ذات الأغلبية الكردية وفيها محافظة الموصل وكركوك وأربيل والسليمانية، والكرد في العراق 95% هم سنة على المذهب الشافعي. ولاية بغداد في الوسط وكانت أغلب سكانها من العرب السنة، وولاية البصرة وكانت اغلب قاطنيها من العرب الشيعة، ووضع العراق تحت الأنتداب البريطاني، وتأسست الدولة العراقية في بغداد 1920 م ولكن المندوب السامي البريطاني احتفظ لنفسه بحق الأشراف على ولاية الموصل دون تدخل ادارة الحكومة العراقية بذالك. وفي آب 1921 أقيمت حفلة لتتويج الامير فيصل واعتبر ملكاً على العراق وتم قبول العراق كعضو دائم في مجلس عصبة الأمم بتأريخ 28 / 1 / 1923 مشروطة بان يعالج العراق كل المشاكل التي تخض الجنسيات والأقليات والأديان، ويحترم حقوق الأقليات ويحفظ كرامة أبنائها “.
هذا بإختصار تاريخ تكوين الدولة العراقية وتطورها، وطبعاً الخوض في التفاصيل حديث شائك وذو شجون. لذلك نكتفي بهذا العرض السريع لأبرز المحطات في حياة تشكيل وتطوير الدولة العراقية منذ البدايات وحتى الأن، وأبرز المحطات التي مرت بها، بعد عملية الربط التأسيسي بين ولايات بغداد والموصل والبصرة، والتي شكلت لنا المملكة العراقية ومن ثم الجمهورية العراقية، إلى يوما هذا و”جمهورية العراق الفيدرالية” العتيدة.
اذاً كيف نظرت هذه الدولة في العراق لحقوق الأقليات الدينية في دساتيرها المتعاقية والمختلفة بإختلاف النظم السياسية التي مرت على هذه الدولة؟.
وهنا لابد لنا من التوقف عند معنى “الدستور” قليلاً ومدلول هذه الكلمة، لكي نعطي فكرة عن هذا المفهوم الذي بات يؤطر حقوق الناس ضمنه. حيث أن”قواميس اللغة العربية القديمة لم تذكر كلمة الدستور، ولهذا فقد أرجعها بعض الكتاب إلى اصل فارسي، دخلت اللغة العربية عن طريق اللغة التركية. وتعني كلمة الدستور في اللغة العربية الأساس أو القاعدة. كما تفيد ايضاً معنى الأذن أو الترخيص، ويقابل كلمة الدستور في اللغة العربية إصطلاح{القانون الأساسي} الذي أستعمله الدستور العراقي الأول الصادر عام 1925. فالدستور يعني إذاً من الناحية اللغوية: مجموعة القواعد التي تحدد الأسس العامة لطريقة تكوين الجماعة وتنظيمها. وعلى هذا الأساس يمكن تصور وجود دستور في كل جماعة بشرية منظمة كالأسرة والقبيلة والنقابة والحزب السياسي. أما المعنى الأصطلاحي للدستور فهو: مجموعة القواعد المتعلقة بتبيان مصدر السلطة وتنظيم ممارستها وإنتقالها والعلاقة بين القابضين عليها، وكذلك تلك المتعلقة بالحقوق والحريات العامة في الدولة، سواء وجدت هذه القواعد في صلب الوثيقة الدستورية أم خارجها”.
طبعاً عرجّت الدساتير العراقية المتعاقبة على حقوق ووضع الأقليات العراقية من منظور المواطنة. واوردت بعض الفقرات ذات المدلول الشمولي العام في حق ممارسة الطقوس والشرائع، مع بعض الفقرات التفصيلية أكثر هنا وهناك. وعموماً فأن “أول الدساتير التي صدرت بعد تأسيس الدولة العراقية كان بتاريخ 21 آذار 1925 وصدر تحت أسم القانون الأساس لعام 1925. وأذا تمعنا سوية في ما أوردة القانون في الباب الاول ضمن بند حقوق الشعب، سنجد أن المادة السادسة منه نصت على أن لافرق بين العراقيين في الحقوق أمام القانون وأن اختلفوا في القومية والدين واللغة، كما أوردت المادة التاسعة أنه لايجبر أحد على مراجعة محكمة غير المحكمة المختصة بقضيته الا بمقتضى القانون. أما المادة الثالثة عشر فقد حددت أن الأسلام الدين الرسمي للدولة، ويضمن الدستور لجميع ساكني البلاد حرية الأعتقاد العامة، وحرية القيام بشعائر العبادة وفقاً لعاداتهم مالم تكن هذه العادات مخلة بالأمن والنظام العام، ومالم تكن منافية للأداب العامة. وأعطت المادة السادسة عشر للطوائف المختلفة حق تأسيس المدارس لتعليم أفرادها بلغاتها الخاصة، والأحتفاظ بها أي باللغة على أن يكون ذلك موافقاً للمناهج العامة التي تعين قانوناً. هذا ماكان من دستور الدولة العراقية أو{القانون الأساسي} مثلما سمي آنذاك. حيث أن هذا الدستور بقي نافذاً لحين إسقاط الملكية بثورة الرابع عشر من تموز 1958 والتي قادها الزعيم عبد الكريم قاسم، حيث تم أصدار دستور مؤقت بعد أيام قليلة يتم الأستناد عليه ضمن المرحلة الأنتقالية التي كانت بصدد الوصول الى مرحلة سياسية ودستورية ثابتة وفق أسس ديمقراطية وفقاً لدستور عراقي دائم، غير أن ظروفاً وملابسات وأحداث طغت على الوضع السياسي وأربكت الحياة الدستورية، بالأضافة الى نجاح أنقلاب شباط 1963 سيء الذكر، حيث تم الغاء الدستور المؤقت وأحلال دستور مؤقت آخر بديلاُ عنه في العام 1964، ثم صدر دستور مؤقت آخر في العام 65، وحين جاء أنقلاب 68 الغى الجميع وصدر دستور مؤقت لم يلبث أن تم الغاءه بدستور مؤقت في العام 70 ثم مشروع الدستور المؤقت في العام 90 قبل أحتلال صدام للكويت”. طبعاً كانت الدساتير السابقة تنظر نظرة كليانية وشمولية لحقوق أقليات العراق الدينية مثلما اسلفنا آنفاً، وكانت هناك حاجة للتفصيل أكثر وأكثر لضمان حقوقها بشكل جيد ومنعاً لوقوع إلتباس وسوء فهم في تأويل النصوص الدستورية المتعلقة بهذه الأقليات. وهذا حصل للأسف وبشكل خاص عند القرار في تحويل النظر في أمور الديانات العراقية “الغير سماوية” كالأيزيدية والصابئة للمحاكم الشرعية الإسلامية. وكانت هذه المحاكم “تقوم بتطبيق أحكام الشريعة الأسلامية على المتداعين ( تغير أسمها لاحقاً الى محاكم الأحوال الشخصية)، وتقضي هذه المحاكم بما تفرضه الشريعة الاسلامية في كل المجالات بما فيها المواريث والطلاق والزواج والبنوة والوصية والحضانة وغيرها، غير أن الحكومة وبناء على مايخوله النص الدستوري وافقت على أنشاء محاكم للمواد الشخصية لغير المسلمين، تأخذ هذه المحاكم على عاتقها القضاء الشرعي بين المواطنين العراقيين من غير المسلمين. غير أن هذه المحاكم تحدد أختصاصها الشخصي في النظربقضايا معتنقي الديانة المسيحية واليهودية فقط بزعم وجود لوائح للأحوال الشخصية لهذه الديانات. يعني هذا بقاء أمر القضاء لغير المسلمين من بقية المذاهب والأديان الآخرى سائباً دون مرجع قضائي يتحدد قانوناً ويوكل له مهمة القضاء بين هذه الأديان والملل وفق شريعتها وأحكامها. في العام 1959 تم إصدار قانون الأحوال الشخصية المرقم 188 لسنة 59، ويعتبر القانون المذكور طفرة نوعية ومكسب قانوني واسع في العمل القضائي، أذ نصت العديد من نصوصه على حقوق وضمانات كثيرة للمرأة والعائلة العراقية ، غير أن مايلفت الانتباه ذلك النكوص الذي بدا واضحاً في الأختصاص الشخصي الذي نصت عليه الفقرة ( أ ) من المادة الثانية من القانون وهذا نصها تسري أحكام هذا القانون على العراقيين الا ما أستثني بقانون خاص) وكان الأخوة المسيحيين واليهود الموسوية قد أستثنوا بقانون خاص للقضاء وفق أحكام موادهم وخصوصيتهم الشرعية وماتفرضة أحكامهم وكتبهم الدينية. وعلى هذا الساس فأن اختصاص محاكم الأحوال الشخصية يشمل كل من: 1- المسلمين العراقيين. 2- الأجانب المسلمين في العراق. 3- الصابئة المندائيين في العراق. 4- الأيزيديين في العراق.
وهكذا بقيت شرائح مهمة من شرائح المجتمع العراقي لها حضور فاعل في الحياة العراقية وتنطبق عليها كل مقومات ومستلزمات المواطنة العراقية، وتتحمل كل واجباتها غير انها لاتتطابق في الحقوق مع المواطن الآخر في التطبيق القضائي وحق تطبيق أسس شرائعهم وديانتهم التي يعتقدون ويؤمنون بها”.
نستتنج مما سبق إذاً، أن الدساتير العراقية السابقة لم تفي الأقليات الدينية العراقية حقوقها المواطنية الحقة. وقد توقفت بشكل هامشي وخجول وبدون ذكر الأسماء على “حقوق العراقيين في المساواة” و”حقوق العقيدة وممارسة الشعائر الدينية” فيما بدا واضحاً وجلياً أن المقصود هو بالدرجة الأولى اتباع الديانتين المسيحية واليهودية واللتان عٌدتا سماويتين، في الحين الذي أضطر ماورد في الدساتير القديمة من بنود عامة وشاملة المعنى أبناء كل من الأقليات الدينية: الصابئةـ الإيزيديين ـ الشبك إلى مراجعة المحاكم الأسلامية لمتابعة كل مايتعلق بالمعاملات والأحوال الشخصية. عكس الدستور العراقي الجديد والذي اشارّ وللمرة الأولى وبالأسم لحقوق الأقليات الدينية العراقية من غير اليهود والمسيحيين، وضمّن لهم حقوقهم وكفلها بنصوص دستورية واضحة، كما سنرى…

الأقليات الدينية في العراق ساهمت وبشكل فعال في تطوير الحياة الأجتماعية والأقتصادية والسياسية في البلاد. فمنذ تأسيس الدولة العراقية وأبناء هذه الأقليات يشاركون في تسيير الحياة السياسية والمشاركة في ترتيب أوضاع البلاد الأجتماعية والأقتصادية. وعكس بقية البلدان فقد تميز العراق بطابعه التعددي والأقوامي والمذهبي اللافت. وظهر هذا في الأثر البادي حالياً على الحياة المجتمعية والأقتصادية والسياسية وكذلك الثقافية في العراق، وعملية مراجعة صغيرة للميراث التاريخي والسياسي والثقافي العراقي ستجعلنا نكتشف مئات الأسماء التي تنحدر من هذه الأقليات لعبت دوراً مشهوداً في التاريخ العراقي الحديث، جنباً بجنب مع بقية مواطنيهم من أبناء العراق.

ومن هنا، فإن العراق يعد من “اكثر البيئات العربية ازدحاما بالاعراق والاديان والطوائف القديمة والحديثة .. فغدا مجتمعه من اكثر مجتمعات المنطقة مشكلات وتعقيدات .. وتتلون فسيفساء مجتمعه بين: الصابئة المندائيين الى جانب المسيحيين من السريان الاراميين والكلدان والآثوريين وهناك التركمان المتنوعون والاكراد البهدينانيون والاكراد السورانيون واللور الفويليون وبقايا اسر المماليك الشراكسة القوقازيين وهناك اليهود والكاكائيون والكركرية واليزيدية والمعدان والشبك والعجم والارمن الى جانب الاكثرية العربية بانقسامهم الطائفي اليوم بين الشيعة الجعفرية والسنّة الحنفية والشافعية .. الخ”.
ومن جانبه يقول المؤرخ الفلسطيني الكبير حنا بطاطو عن العراق المتنوع هذا ” في مطلع القرن الحالي، لم يكن العراقيون شعباً واحداً أو جماعة سياسية واحدة، وهذا لايعني الإشارة فقط إلى وجود الكثير من الأقليات العرقية والدينية كالأكراد والتركمان والفرس والآشوريين والأرمن والكلدانيين واليهود واليزيديين والصابئة وآخرين، فالعرب أنفسهم الذين يؤلفون أكثرية العراق كانوا يتشكلون إلى حد بعيد، من جملة المجتمعات المتمايزة والمختلفة في مابينها والمنغلقة على الذات، وذلك بالرغم من تمتعهم بسمات مشتركة”.

كما يٌعرج بطاطو الذي الف بحثاً متميزاً وشاملاً عن العراق الطبيعي من كافة جوانبه، على موضوعة مساهمة ومشاركة أبناء هذه الأقليات في بناء ونهضة العراق الدولة. وكيف إنهم نظروا لأنفسهم كعراقيين مواطنين أصلاء، عليهم واجبات ولهم حقوق، في ظل المظلة العراقية الجامعة.. يتابع بطاطو” …لابد من القول، بأن بعض هذه الملل والنحل والطوائف والانواع العراقية العريقة هي قديمة جدا عاشت في وادي الرافدين وعلى جانبيه منذ الاف السنين .. بل ويمنحنا التاريخ جملة من المعلومات الهائلة عن ادوارهم الناصعة في تشكيل الحضارة العربية الاسلامية ومدى ما قدّموه من مشاركات علمية وأدبية ومهنية وحرفية صناعية وثقافية ومعيشية في الالف سنة الاخيرة ، ولمعت من بين الاقليات اسماء من المبدعين والشعراء والعلماء والاطباء والمهندسين والمترجمين والصنّاع الماهرين .. وعاشوا في مجتمع متنوع بين الحضر والريف وهم على اتّم حالة من الانسجام والود في الدواخل العراقية .. وكانوا يتعرضّون لكل التحديات الخارجية اسوة باغلبية العراقيين، ولقد فنيت اديرة وكنائس ومعابد نتيجة الغزوات، بل وتحملوا كل ما تحملته الاغلبية .. والى خمسين سنة مضت نلحظ اسمى حالات التعايش بين العراقيين وعلى احسن ما تكون، بل ويجد المؤرخ الجاد نفسه امام تاريخ رائع من التعاون وتكافؤ الفرص والعيش المشترك … ومن المؤسف جدا ان مجتمعاتنا العربية لا تعرف بعضها بعضا حتى يومنا هذا. وعليه، فلقد بقي المجتمع العراقي مغّيبا في كل خفاياه عن بقية المجتمعات العربية لاسباب سياسية وايديولوجية محضة”.

فلـو نظرنا الى “الصابئة المندائين برغم عددهم قليل ولا يتعدى المئات الألاف بينما يتراوح عـددهم في العـراق ما بين 100 الى 200 ألف، لكن هـذه الطائفة غـذت مفاصل الحياة الرئيسية في العـراق من أبداعات رجالها ونساءها، والذين ساهمـوا ببناء حضارة العراق العريقة، وظهرت من بينهم الصناع الماهرين، وكانوا الظهير القوي للعمل الزراعي وما قـدموه من تطوير زراعية حين شكلوا العــمود الفقري لصناعة الألات الزراعية التي يحتاجها الفلاح، هذه الطائفة رفدت الأحزاب من خيرة مناضليها، وكذلك الجمعيات والأتحادات والنقابات من خيرة ناشطيها، كما رفدت المعاهد والجامعات من خيرة كوادرها، ولمعت بينهم ًأسماء من المبدعين كالعـلماء والأطبـاء والمهنـدسين، مثلما لمعت أسماء مـن الشعـراء والكتاب والمثقفين السياسين، ومعروف عن المعلمين المنـدائيين المخلصين لمهنتهم والـذيـن تركوا الأثر الكبير في نفوس طلابهم، وغرسوا العلم والطموح والأبداع في أرواحهم، غير إن هـذا العدد يتناقص بشكل كبير بسبب غياب الأمن وعدم وجود الأمان لهم “.

في الحين الذي كان فيه اليهود او أبناء الديانة الموسوية من التجار المهرة، من الذين سيطروا على (وسيّروا…) السوق الأقتصادية العراقية وبشكل خاص في بغداد. حيث عٌرفّ اليهود العراقيون بحنكتهم وشطارتهم في مضمار التجار الخارجية، وبشكل خاص التجارة مع الهند والتي كانت لهم علاقات قوية مع ابناء دينهم من اليهود الهنود فيها، لنرى مايقوله المؤرخ حنا بطاطو في حقهم: ” لم يكن حجم الوجود اليهودي في شؤون العراق التجارية شيئاً حديث الظهور أو المعرفة به، ويشير تقرير بريطاني يعود بتاريخه إلى العام 1879 إلى تمركز الكثير من عمليات بيع وشراء البضائع الإنكليزية في إيدي اليهود، وتقول رواية سرّية أخرى صادرة عن بغداد في العام 1910 أن اليهود إحتكروا التجارة المحلية بكل معنى الكلمة ولايستطيع المسلمون ولاالمسيحيون منافستهم في هذا، وإذا كانوا قد لعبوا في الموصل دوراً إقتصادياً ضئيلاً جداً، فقد كان جزء جيد تجارة البصرة تحت سيطرتهم، حتى العام 1920 على الأقل. وبعض الحوادث الصغيرة التي كانت تقع بين الحين والآخر كانت تدل على مدى قوة وضعهم المالي، وعلى سبيل المثال ففي آذار 1926 عندما أعلن تاجر يهودي يعمل في تجارة المرور الفارسية أنه قد أفلس، حدث مايشبه الأزمة الإقتصادية في بغداد، وحتى بلدات صغيرة مثل دلتاوة وشهربان، أدى رفض تجار يهود في شباط 1918 قبول العملات التركية الصغيرة إلى حصول تشويش وإضطراب في البازار”.

كما يتحدث المؤلف بطاطو عن اليهود من الناحية الإجتماعية ومدى إندماجهم في المجتمع العراقي بشكل عام والبغدادي بشكل خاص فيقول” الواقع أن الطائفة اليهودية في العراق كانت عربية تماماً، أو إنها كانت مستعربة، كانت لغتها عربية، وكانت العربية تستخدم حتى في طقوسها الدينية، وكان طعامها عربياً، وكانت خرافاتها خرافات عربية، وكذلك الأمثال التي تستخدمها، وكان الكثير من عاداتها عربياً، وحتى”الحريم” كان يشكل جزءاً من أعرافها”.

أما الشبك فهم “حوالي أربعمائة ألف عراقي وعراقية يسكنون عدة نواحي وقرى حول الموصل وعرفوا بإنتمائهعم وإخلاصهم الوطني وعراقيتهم وإعتناقهم لمذهب أهل البيت( عليهم السلام ) ويعانون منذ سقوط الطاغية من تسلط القوى المتنفذة هناك من جهة ومن بطش التكفيريين المجرمين من جهة أخرى.وغير هذا التسلط وهذا البطش يعاني الشبك من حرمانهم من كل حقوقهم في هذا البلد حتى أنهم لم يذكروا في الدستور العراقي الدائم كما ذكرت أطياف العراقيين الأخرى إرضاءاً أو مجاملة لبعض القوى السياسية، وكاد الدستور العراقي أن يفشل لولا موافقة الشبك عليه بعد أن قرروا رفضه إحتجاجاً على إهمالهم، لكنهم إستجابوا لطلبات إخوانهم من الإئتلاف وغيرهم وعدلوا عن الرفض الى القبول مقابل إعطائهم حقوقهم.”.

هذا في الحين الذي يٌعتبر فيه المسيحيون، وهم في الغالب من الآثوريين والكلدان والسريان، من احفاد كبرى الحضارات التي شهدتها البشرية على ارض العراق، من اديان بلاد الرافدين العريقة. فقد انتشرت المسيحية في العراق سريعاً، ولعب العراقيون المسيحيون وبشكل اخص النساطرة في إغناء التراث المسيحي الكهنوتي بكتب وشروحات كثيرة جداً، وكانت الكنيسة الآشورية في العراق معروفة على صعيد عالمي ولها مكانة بارزة في مجمع الكنائس العالمي.

لكن الحال تغيرت في الاونة الأخيرة وبشكل خاص بعد موجة الإعتدائات التي طالت كنائسهم ودورهم في العراق. حيث أضطر قسم كبير منهم للهجرة وترك بلاد الرافدين منبتهم الأبدي، ومرتع الصبا الأول. يقول الدكتور سيار الجميل عن هذا الموضوع وهو يستعرض حال مسيحيي بلاده متالماً “…ولقد سمعنا ما تفعله جماعات دينية متطرفة بالطالبات الجامعيات وسمعنا ما الذي مورس ضد الكنائس والاديرة المسيحية العريقة في كل من بغداد والموصل .. وسمعنا ما الذي تفعله احزاب وتيارات دينية متنوعة بالنسوة العراقيات من غير المسلمات في دوائر الدولة او حتى في شوارع المدن .. وسمعنا بعمليات النزوح القسرية لاقليات في داخل البلاد او فرارهم وهروبهم الى خارج العراق .. وسمعنا مؤخرا بالاضطهاد المنظّم والحملات القسرية بالقتل او التهجير وتهديد الصابئة المندائيين الذين يقطنون العمارة في جنوب العراق الذي عاشوا فيه منذ الاف السنين .. ولقد عشت وعرفت هؤلاء وكل الاقليات الدينية منذ سنوات الطفولة انهم من الناس الطيبين المسالمين الذين يعيشون خائفين دوما من المصير .. وها هو المصير قد جاءهم ليلاحقهم قتلا وتشنيعا وحلقا لرؤوس نسوة غير محجبات امام العباد ..الخ من الاعمال الدنيئة التي لا يقبلها لا عرف ولا دين ولا اخلاق ..”.

وهناك أيضاً أبناء الديانة الكردية الإيزيدية، وهم يعتبرون قومياً من الكرد. ويعيشون في منطقة سنجار ومناطق شيخان، ويربو عددهم على 600 الف إيزيدي. وقد عانى هؤلاء في زمن الحكم الصدامي كثيراً، حيث عدتهم السلطات العراقية عرباً وذلك بغية فصلهم عن الكرد المسلمين وتحجيم المطاليب الكردية في الحكم الذاتي، ومنعها من أن تطال منطقة سنجار التابعة لمحافظة الموصل العراقية الشمالية. وقد توقف كتاب إيزيدون كثيرين على معاناة هذه الديانة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية وبشكل خاص زمن حزب البعث وإلى اليوم، ويٌعتبر الكاتب والباحث العراقي العربي القاضي زهير كاظم عبود من أكفأ الكتاب والمختصين في شأن الديانة الإيزيدية في العراق على الأطلاق، وله عدة مؤلفات تبحث في تاريخ وحقوق الكرد الإيزيديين، وسوف نتعرض لآراء القاضي زهير بشكل مفصل في بحثنا هذا…

مواد الدستور التي تعرضت لحقوق اقليات العراق:

المادة (2): اولاًـ الاسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر اساس للتشريع:
أـ لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام.
ب ـ لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية.
ج ـ لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور.
ثانياً :يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما يضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحيين والايزديين والصابئة المندائيين.
المادة (3): العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، وهو جزء من العالم الإسلامي، والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية.
المادة رابعاً:
رابعاً: اللغة التركمانية واللغة السريانية لغتان رسميتان اخريان في الوحدات الادارية التي يشكلون فيها كثافة سكانية. خامساً: لكل اقليم او محافظة اتخاذ اية لغة محلية اخرى لغةً رسمية اضافية اذا اقرت غالبية سكانها ذلك باستفتاء عام.
المادة (7):
اولاً: يحظر كل كيان او نهج يتبنى العنصرية او الارهاب او التكفير او التطهير الطائفي، او يحرض او يمهد او يمجد او يروج او يبرر له، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه، وتحت اي مسمى كان، ولا يجوز ان يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون.
المادة (9):
اولاً: أن تتكون القوات المسلحة العراقية والاجهزة الامنية من مكونات الشعب العراقي، تراعي توازنها وتماثلها دون تمييز او اقصاء، وتخضع لقيادة السلطة المدنية، وتدافع عن العراق ولا تكون اداة في قمع الشعب العراقي، ولا تتدخل في الشؤون السياسية، ولا دور لها في تداول السلطة.
المادة (12):
اولاً: ينظم بقانون علم العراق وشعاره ونشيده الوطني بما يرمز الى مكونات الشعب العراقي.
المادة (14):
العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس او العرق او القومية او الاصل او اللون او الدين او المذهب او المعتقد او الرأي او الوضع الاقتصادي او الاجتماعي.
المادة (16):
تكافؤ الفرص حق مكفول لجميع العراقيين، وتكفل الدولة اتخاذ الاجراءات اللازمة لتحقيق ذلك.
المادة (39):
العراقيون احرار في الالتزام باحوالهم الشخصية حسب دياناتهم او مذاهبهم او معتقداتهم او اختياراتهم وينظم ذلك بقانون.
المادة (40):
لكل فرد حرية الفكر والضمير والعقيدة
المادة (41):
اولاً: اتباع كل دين او مذهب احرار في:
أ ممارسة الشعائر الدينية بما فيها الشعائر الحسينية.
ب ادارة الاوقاف وشؤونها ومؤسساتها الدينية، وينظم ذلك بقانون.
ثانياً: تكفل الدولة حرية العبادة وحماية اماكنها
المادة (122): يضمن هذا الدستور الحقوق الادارية والسياسية والثقافية والتعليمية للقوميات المختلفة كالتركمان،والكلدان والاشوريين، وسائر المكونات الاخرى، وينظم ذلك بقانون.

تقييم الآراء المختلفة حول ضمان حقوق الأقليات في الدستور الدائم:

نستنج من قراءة الدستور العراقي والبحث فيه أن اهم البنود التي توقف عليها الدستور العراقي الجديد فيما يتعلق بحقوق الأقليات العراقية الدينية هي:
ـ إعتبارالاسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر اساس للتشريع.
ـ لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام.
ـ يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما يضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحيين والايزديين والصابئة المندائيين.
ـ العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، وهو جزء من العالم الإسلامي، والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية.
ـ العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس او العرق او القومية او الاصل او اللون او الدين او المذهب او المعتقد او الرأي او الوضع الاقتصادي او الاجتماعي.
ـ العراقيون احرار في الالتزام باحوالهم الشخصية حسب دياناتهم او مذاهبهم او معتقداتهم او اختياراتهم وينظم ذلك بقانون.
لقد حاول الدستور العراقي التوفيق بين مبدأ دين اغلبية العراقيين الإسلام وحقوق الأقليات العراقية الدينية، بحيث لايتم اي تعارض بينهما. فصحيح أن الدستور إعتراف بأن الإسلام هو دين الدولة الرسمي، وإنه لاينبغي سن قانون يتعارض ومبادئ وثوابت الإسلام، لكنه عاد وقال في موقع لاحق أنه لايجوز كذلك سن قانون يتعارض مع الديمقراطية. كما تابع الدستور أنه ينبغي الحفاظ على الهوية الإسلامية لغالبية الشعب لعراقي، كما يضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحيين والايزيديين والصابئة المندائيين، وسمى هؤلاء بالأسم.

وهذا طبعاً يٌظهر الصيغة التوافقية والتي توحي بمراعاة التوازنات السياسية بين القوى العراقية التي تصدت لسن هذا الدستور الجديد. حيث روعي التوافق بين رغبات الأحزاب الدينية في تضمين الدستور مواداً قائمة على ثوابت الشريعة الإسلامية. أي ان يستند الدستور للشريعة الإسلامية وثوابتها في الأحكام والتشريعات. لكن ذلك صٌدم بالقوى العلمانية التي رفضت ذلك: فتم إيجاد هذا المخرج بذكر الإسلام وثوابته وضروة إحترام الإسلام الذي هو دين غالبية الشعب العراقي كما ورد في الدستور. لكن الأمر الأيجابي هو قول الدستور وإعترافه ” بكامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحيين والايزديين والصابئة المندائيين”. وهذا تطور مهم جداً في الأعتراف الرسمي بحقوق هذه الأقليات وذكرها بالأسم، عوض الأكتفاء بقول جميع الأقليات الدينية او مكونات الشعب العراقي، كما جرت عليه العادة في الدساتير العراقية السابقة.

كذلك هناك البند المهم الذي تحدث عن أن “العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس او العرق او القومية او الاصل او اللون او الدين او المذهب او المعتقد او الرأي او الوضع الاقتصادي او الاجتماعي”. وهذا البند في حال تطبيقه ومراعاته بشكل حرفي، يتيح المجال ويبقيه مفتوحاً امام مشاركة كافة العراقيين من ابناء الأقليات ومساواتهم امام القانون بغض النظر عن الجنس او الدين أو المذهب او المعتقد. أي عدم التفرقة في المعاملة بين ابناء الشعب العراقي وإحترام رغباتهم وخصوصيتهم الدينية في قبولهم كما هم…

وفيما يتعلق بالأحوال المدنية لأبناء هذه الأقليات يقول البند صريحاً: العراقيون احرار في الالتزام باحوالهم الشخصية حسب دياناتهم او مذاهبهم او معتقداتهم او اختياراتهم وينظم ذلك بقانون. وهذه تعتبر النقطة الأكثر اهمية في نظري في شأن وموضوعة الدستور العراقي ونظرته لحقوق الأقليات العراقية. حيث سيكون العراقيون من أبناء هذه الأقليات احرراً في متابعة وتسيير شؤونهم في مناطقهم حسب دياناتهم ونظرتها لقضية الأحوال الشخصية، بحيث لن يخضعوا بشكل اجباري لأي معاملة تفرضها المحاكم التي تتقيد فقط وتعترف بالشريعة الإسلامية…

الدستور العراقي الجديد بني وفي ظروف سياسية حساسة للغاية على التعددية السياسية وضمان إحترام حقوق الأقليات الدينية مع مراعاة الهوية الإسلامية للغالبية وإحترامها. وهناك أبناء الأقليات معرفون بإحترامهم للديانة الإسلامية ومراعاة الشعور الديني لأغلبية الشعب العراقي من أبناء المذهبين الشيعي والسني.

أن التركيز في الدستور العراقي الجديد على حقوق الأقليات العراقية الدينية يقدم الوجه الحضاري للعراق أجمل تقديم. فالعراق ارض عٌرفت منذ التاريخ بالتعددية وسكنها موزاييك كبير من المعتقدات والأديان والعقائد التي نبتت في أرضه، وقدمت افكارها من الأرض العراقية، وساهم عراقيون من أبنائها في تقديم العلم والمعرفة للعالم أجمع. ومع ذلك فثمّة خوف من أن تتصدر بعض النواقص عند تطبيق بنود الدستور العراقي وإدخاله في التطبيق العملي، كما حدث مع دساتير الدولة العراقية السابقة. يقول القاضي والباحث العراقي زهير كاظم عبود “أن المجتمعات الناجحة تضمن الحرية الدينية للناس، وتمنح الأنسان كامل الحرية في ممارسة الطقوس والتقاليد والأعراف الدينية بما لايخالف النظام العام والأداب، وينبغي أن نضمن حرية ممارسة هذه الطقوس والعبادات لهذه الأديان جميعها وبشكل متساوي بما فيها الديانة اليهودية التي نالت من الغبن والتهميش والظلم الكثير من السلطات التي تعاقبت على حكم العراق تحت شتى الذرائع التي لاتتطابق مع الواقع العراقي ولاتخدم مستقبله. ومن بين هذه الحقوق أعادة أماكن العبادة لمعتنقي الديانة اليهودية في العراق وترميمها والأهتمام بها، وأشراكهم مثلما يشترك غيرهم من المسيحيين والصابئة المندائية والأيزيدية في وزارة الاوقاف والشؤون الدينية. كما تعاني الأضرحة والمزارات الدينية لدى الأيزيدية من الأهمال والنسيان، فلا تهتم بها السلطات ولاتلتفت اليها، كما لاتشعر هذه الشريحة بمساهمة السلطة في أضفاء نوع من الصيانة والتجديد والتعمير الذي يليق بأي رمز ديني لأي مذهب أو طائفة أو دين بما يجسد عدم المساواة في التعامل مع هذه الشريحة الدينية المهمة والكبيرة في العراق. كما يعاني رجال الدين الأيزيدي من غياب حقيقي لمسألة الحقوق يشاركهم في هذا الغياب رجال الدين المندائي حيث لاحقوق لهم ولاتعتبرهم السلطات متفرغين لعملهم الديني وممارستهم الطقوس الدينية لأبناء دينهم، ولاتمنحهم الرواتب التي تليق بمقامهم وعلمهم ودرجاتهم الدينية وخصوصيتهم، مثلما لاتتكفل بمنحهم الحقوق التقاعدية كما تفعل مع رجال الدين من الأديان الأخرى، وفي هذا الأمر ليس فقط عدم المساواة والمجافاة في الحقوق، وأنما أيجاد شروخ وفجوات في التعامل بين رجال الدين المختلفين في العراق. ولهذا ينبغي النص على أن تحترم الدولة العراقية الفتية التعددية الدينية والمذهبية وتصون أماكن العبادة للمسلمين والمسيحيين واليهود والصابئة المندائية والأيزيدية، وتكفل حرية الرأي والأعتقاد والعبادة وفقاً للقانون، وأن تساوي في نظرتها للمتفرغين من الرجال والنساء للطقوس الدينية وخدمة المزارات، وأن تعطي المزارات من الاهتمام والألتفات في الرعاية والصيانة مما يوجبه القانون. أن مسألة الحقوق للأديان والمذاهب مسألة تمثل مطلبا وطنياً عراقياً ملحاً وضرورياً، فنحن بحاجة الى أجماع وطني ونظرة متساوية ومنصفة، والأقرار بحقوق جميع القوميات وكذلك الأديان من الأيزيدية والصابئة المندائية والمسيحية واليهودية والأسلامية بكافة مذاهبها الى أقل الشرائح الدينية والعقائد الموجودة في العراق. مثلما نحن بحاجة أن نبحث عن الحقوق التي ضيعتها الأنظمـة السابقة بقصد اودون قصد، وهذه الفرصة التاريخية التي تشير الى معالم حيـاة جديدة للعراق في المنطقة ستزيد بالتأكيد من قوة التلاحم والتكاتف الوطني ، مثلما تزيـد الوطن منعة وتلاحماً ووحدة، وتزيدنا أملاً في مستقبلنا الديمقراطي والفيدرالي. أن من يريد أن يحقق حياة دستورية ينعم بها العراقي بحياة ديمقراطية وفيدرالية عليه أن يعالج مسألة الحقوق بضمير منصف وفق رؤية حريصة على مستقبل الاجيال القادمة”.

موقف الأقليات من المحاصصة الدستورية:

ا ـ الموقف من دين الدولة:

في الحقيقة كان ثمة تخوف من جانب أبناء الأقليات الدينية العراقية في جعل مواد الدستور على أساس الشريعة الإسلامية. بكلام آخر، الخوف من بداية تطور وتبلور الدولة الدينية في العراق، حيث اننا نرى تجارب الحكم التي قامت على اسس دينية في منطقة الشرق الأوسط فشلت فشلاً ذريعاً في المحافظة على حقوق الأقليات الدينية. لقد فشل الإسلام السياسي في حل مشاكل الأقليات الدينية في منطقة الشرق الأوسط. ففي السودان فشل الحكم الإسلامي في حل مشكلة الجنوب المسيحي، ودارت حرب طاحنة كلفت مئات الألاف من الضحايا. وكذلك النموذج الأفغاني في حكم حركة طالبان وعدائها للآخر، حيث مازلنا نتذكر حادثة تدمير تماثيل بوذا التاريخية في منطقة “باميان” تطبيقاً لفتوى جهولة، وتلك الحادثة روعت العالم وأظهرت وجه هذه الحركة الحقيقي في كرهها وعدائها للآخر المغاير في الدين.

كذلك الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تفلح في حل مشاكل الأقليات الدينية، وهناك حديث عن مظالم تطال الأقلية السنّية في البلاد، وأن السلطات الإيرانية تمنع مثلاً من تشيّيد السنة لجامع لهم في طهران. هذا ناهيك عن بعض القوانين التي يٌعمل بها في دول الخليج العربي، والتي يقال أنها تستقي من الشريعة الإسلامية، وهي ذات نزعة رفضية وتكفيرية واضحة، انعكست في مناهج التعليم التي طالب الكثير من المفكرين والإستراتيجيين في الغرب بإزالتها من المناهج التعليمية للصغار، كونها تحرض على العنف وتبث ثقافة الكره والحقد على المغايرين في الدين والمذهب.

وفي الدستورالعراقي كان ثمة خوف من تكرار مثل هذه الثقافة في تضمين مواد ذات مدلول ديني كلي قد يٌساء تطبيقها في المستقبل، وينعكس أول ما ينعكس ذلك، على اوضاع وحقوق الأقليات الدينية العراقية. لذلك ” فإن دعوة البعض الى نقل النصوص الدينية الى الدستور الدائم يقّرب الدولة العراقية من مفهوم الدولة الدينية، وهي بذلك تخالف تطلعات الكثيرين الذين يدعون الى دولة عصرية مدنية أساسها المساواة وعدم التمييز وفصل الدين عن الدولة واحترام العقائد والشعائر كافة للاسلام الحنيف وللأديان الاخرى”.

في الحين الذي كانت آراء توافقية أخرى تدعو إلى ان يكون “الاسلام هو مصدر اساس من مصادر التشريع ولا يجوز سن ما يتعارض مع ثوابته المجمع عليها». وبه نقترب من صياغة قانون ادارة الدولة”.

كما تخوف الكثيرون من سوء إستغلال البنود الدستورية المتعلقة بالإسلام وتفسيرها تفسيرات كثيرة ومتعارضة، ” ولعل السؤال يطرح في الحال وفي الاستقبال سواء من جانب المشّرع او القاضي أو السياسي أو رجل الشارع: كيف يمكن التخلّص من أصابع المفسرين والمؤولين باسم الاسلام، وهؤلاء رغم عدم وجود كهنوت الاّ أن بعضهم يحاول مصادرة الحق للنطق باسم الاسلام وتفسيره، وسيكون الأمر افتراقاً عند الحديث عن المذاهب والمراجع.ثم ما هي مبادئ الشريعة التي يمكن الركون اليها؟ وماذا لو تعارضت هذه المبادئ مع مبادئ الديموقراطية وحقوق الانسان، فلمن ستكون الغلبة ياتُرى؟ هذه ارهاصات أو عناوين أو أسئلة أولية لقضايا حساسة وشائكة ومعقدة في مجتمع يخرج لتّوه من الاستبداد والحروب المستمرة لـ25 عاماً والحصار الدولي والانغلاق والعزلة وغياب مرجعيات وطنية جامعة، ليقع في لجّة الفوضى والاحتقان الطائفي والتوتر الاثني والاهم من كل ذلك وجود الاحتلال وانفلات العنف بكل الاتجاهات ومن كل الأطراف.ان أصرار المسودة في المادة( 2) على ان يكون الديـــن الأسلامي دين الدولــــة(الرسمي) يتعارض مع المنطق والواقع، فالدولة شخص معنوي أعتباري وهمي لاوجود له، وقد أخترعه فقهاء القانون لتسهيل امور كثيرة، ولايمكن للشخص الوهمي ان يكون له دين، مثلما لايمكن لهذا الشخص الالتزام بموجبات الديانة الأسلامية، وهذا الأمر لايعدو الا تكرار لمقولة أوردتها الدساتير المؤقتة السابقة دون أي معنى، وأبقاء الدين الأسلامي دينا رسميا للدولة خدعة دأبت السلطات البائدة على تمريرها في دساتيرها المؤقتة على ابناء شعبنا، فلم تكن الحكومات السابقة مطلقة تدين بدين أو تلتزم بعقائد دينية، وأحترام الدين الأسلامي وأعتبار ثوابته الأساسية مرتكزات أمراً لايختلف عليه أحد، وأن هذا الأمر لايمس بأي شكل من الأشكال بالديــن الأسلامي أو بأعتقاد الغالبية الكبيرة من العراقيين به والتزامهم باسسه وشريعته”. بينما قال رأي آخر” أن الدستور العراقي احتوى على الكثير من المواد ذات البعد التقليدي التي تتجه صوب “تديين” المجتمع او “اسلمة” العراق وربما “تطييفه” بما يثير التباسا كبيرا حول علاقة الدين بالدولة من خلال ما ورد بعدم سن اي قانون يتنافى مع احكام ثوابت الاسلام، والدور المراد اناطته برجال الدين عبر كلام عمومي عن مكانة المرجعيات كما ورد في الديباجة. ولعل الاخطر في ذلك هو ما يتعلق باحتمال وصول اصحاب الاتجاهات الدينية الى المحكمة الدستورية العليا، التي من اختصاصها البت في دستورية القوانين، ففي ذلك مقاربة لـ”هيئة تشخيص مصلحة النظام” الايرانية وهي الخطوة الاولى التي تعبّد الطريق لولاية الفقيه!”.

ب ـ عروبة العراق:

شكلّ موضوعة “عروبة العراق” أحد القضايا المهمة في الدستور العراقي، كما أثارت نقاشاً كبيراً بين المثقفين العراقيين إمتد ليصل لنقاش عام وشامل شمل مختلف المشهد الثقافي والإعلامي العربي. لقد أدلى العرب كذلك بدلوهم في هذا الأمر، وركنوا على نقاط محددة بعينها في مسألة عروبة العراق، والخوف من ضياعه من يد العرب وسقوطه في يد أعجمية غريبة. كما طنطن العديد من كتبتهم، وبشكل خاص القومويين منهم، ليثيروا الشعوب العربية ويستنهضوا هممها ضد ما أسموه بالخطرالذي يهدد عروبة العراق ووجه الحضاري العربي. وكان المقصود في الحقيقة هو حكم البلاد الذي آل لأكثرية الشعب العراقي من الشيعة العرب والكرد، وهم يمثلون أكثر من 80% من مجموع ساكني دولة العراق. وقد ظهرت هذه الولولة العروبية حين ظهور نتائج الإنتخابات وفوز الشيعة والكرد بالأغلبية الساحقة مع إمتناع القوى السنّية( الإسلامية والقومية ذات الولاء البعثي) عن المشاركة. حينها أرتفعت الأصوات خوفا على عروبة العراق بمجرد سقوط نظام صدام حسين الذي أضطهد اهل العراق، والحّق بالعراق، وبالأمة العربية تالياً، وكما هو مفروض، خسائر كارثية.
والعرب صحوا على فقدان عروبة العراق بمجرد إندحار صدام فقد “انشغلت الأمة العربية في همومها، واستغرقت شعوبها في أوضاعها الداخلية حتى كاد يمر عليها تطور قومي خطير من دون أن تعطيه ما يستحق من اهتمام، وأعني بذلك مسألة عروبة العراق. فقد تخرج القوات الأجنبية من أراضيه يوماً ما، لكن سيرفع الستار حينئذ عن عراق مختلف حيث العروبة أصبحت مجرد شريك وليست رافداً أصيلاً، كما أن الخلافات المذهبية تبدو أكبر من حجمها الطبيعي، والفيديرالية المقترحة تتجه إلى تمزيق أوصال العراق. وفى هذه الحال، نكون أمام وضع جديد في العالم العربي كله يمكن تلخيصه في انهيار الجبهة الشرقية لكيان الأمة. فالعراق بلد له أهميته وتاريخه الحضاري وإسهامه الثقافي ولا يمكن التعامل معه من دون إدراك لما قدمه قديماً وحديثاً”.
كما انتقد الكتاب العرب دستور العراق التعددي الفيدرالي الجديد، والذي قال عنه بعضهم إنه” يٌصادر هوية العراق العربية، يصادر تاريخ العراق وتاريخ بغداد ويحوله إلى كانتونات طائفية ومذهبية باستثناء الأكراد الذين من حقهم أن يحافظوا على قوميتهم، وأن يقدم العراق لهم هدية على حد تعبير أحدهم، فالعراق بحسب الدستور ليس عربياً، وليس جزءاً من الأمة العربية، وقد سبق لمسعود البرزاني أن رفض ذلك علناً “لسنا جزءاً من الأمة العربية” من دون أن يأبه بردود فعل العرب من المحيط إلى الخليج، ومن دون أن تنبس جامعة الدول العربية ببنت شفة رداً على تصريحات البرزاني”.
لنلاحظ اذاً أن الخوف كان في الأساس من سيطرة الشيعة والكرد على الحكم، وهم الغير مرحب بهم عربياً لإعتبارات طائفية وقومية حاقدة. فالأنظمة العربية ومنظروها اعتادوا على الحكم الشمولي الواحد الذي يقصي كل المكونات الوطنية ويدوم على الظلم والشعارت القومية الفارغة. لذلك ” فأن التشكيلاتية السابقة للدولة العراقية والتي بنيت على نظرة ومنهج إقصائي واضح (إضطهاد قومي / إضطهاد مذهبي) لمكونيين رئيسيين من مكونات الدولة العراقية، وهما الكرد والشيعة كانت السبب الرئيسي في ظهور النتائج الكارثية الحالية كتوابع لمقدمات وأسباب خاطئة لم تؤثر فقط على العراق ومستقبله كوحدة سياسية وجغرافية وحسب، وإنما تعدى خطرها إلى كامل المنطقة التي تأثرت سلباً وبشكل كبير بالأخطاء الإستراتيجية القاتلة للتكوينية العراقية السابقة، فالإيديولوجية البعثية فشلت فشلاً تاماً في تسيير الدولة والحفاظ على سلامها الداخلي وأمنها الخارجي، لأن هذه الإيديولوجية نظرت، منذ مجيئها الحكم على ظهر دبابة، نظرة فردية وإقصائية إلى بعض مكونات الشعب، فسحقت مطالب الكرد التي وصفتها بالإنفصالية، وعزلت الشيعة بتهمة ولاءهم لجهات خارجية ( نفت على سبيل المثال فقط، آلاف الشيعة العراقيين إلى إيران بحجة إنهم إيرانيو الأصل!!). لقد حطمت الإيديولوجية البعثية (والتي اختصرت في النهاية بشخص صدام نفسه) الوحدة الوطنية بين شعوب ومذاهب العراق، وقدمت وجهاً كالحاً لما أسمته بالقيمية العربية الأصيلة الهادفة إلى “إظهار” و”ترسيخ” الوجه العربي للعراق(على حساب وجود بقية القوميات والمذاهب) الذي سيكون، لاحقاً، قدوة لبقية أقطار العروبة، وسيحاول النظام تطبيقه بقوة السلاح والنار….أما وقد تغير الحال الآن، بعد 9 نيسان الماضي وسقوط بغداد ( عاصمة الرشيد: باللغة القوموية الرائجة!) فإن العراقيين باتوا أمام واقع آخر، لا يظهر في آفاقه سوى لسان حال يقول: لا بد من إستخراج الدروس والإفادة من الكوارث الماضية والتي كان السبب الرئيسي فيها إلتزام و تطبيق الأدلوجة العروبية القاتلة والتي أعملت التقتيل والتطهير في أرض بلاد الرافدين المتعددة الأقوام والألسن والمذاهب. وإن كان ثمّة من هوية عربية للعراق الجديد فلا ضير لذلك شرط أن تكون هوية حضارية وثقافية تعتمد على الإرث التاريخي والثقافي للمجموعة العربية بدون أن تختصر في مذهب معين وتترك الآخر بحجة الخوف من ولاءاته المتوقعة لهذه الجهة أو تلك. كما لا ينبغي نفي الوجه الكردي للعراق والذي يستند في مرجعيته الحضارية إلى أمة أخرى مجيدة هي الأمة الكردية، مع ضرورة إحترام بقية الموزاييك العراقي الآخر( غير الكردي وغير العربي) عندها يمكن للعراق النهوض من سباته العروبي العصابي القائم ( ومنذ بدايات النزعة الدعوية للقومية العربية) على سيادة فكرة وعنصر العروبة وطغيانها على بقية القوميات ومحاولة إذابة البقية في البوتقة العربية”. والحقيقة أن ابناء الأقليات الدينية العراقية لايقفون بالضد من موضوع عروبة العراق، فهم بدورهم ساهموا في صنع وترسيم الوجه الحضاري العراقي العربي. وكان لأبنائهم مساهمات جليلة في ذلك، لكنهم في الوقت نفسه لايخفون خوفهم من عودة الظلم والطغيان والحكم الشمولي بإسم العروبة مثلما حدث في الحقبة البعثية. ومثلما يحدث الأن في سوريا والسودان ومصر ضد الأقليات الدينية هناك.

ج ـ الفيدرالية:

تعتبر صيغة الفيدرالية من الصيغ الراقية في حكم البلاد المتعددة دينياً او أثنياً، أو حتى البلاد ذات الثقافة والإنتماء العرقي والديني الواحد كالبلدان الأوروبية. وفي العراق اتفقت القوى العراقية وحتى قبل سقوط النظام الصدامي على إقامة نظام فيدرالي لامركزي في العراق، وذلك بعد تجارب شمولية ومركزية لم تحقق الأستقرار في العراق، الذي يعتبر احد البلدان الفريدة من حيث التنوع الأثني والديني.

وكان برلمان أقليم كردستان العراق قد اقر مبدأ الفيدرالية منذ عام 1991م. وذلك كرابط بين الأقليم وبقية أجزاء الدولة العراقية. كما نادى ساسة عراقيون شيعة باقليم فيدرالية الجنوب لضمان حقوق وسلامة أبناء هذه المناطق من العراق، والذين تعرضوا لظلم فادح وتهميش كبير طيلة فترة الحكم الصدامي السابق.

وكانت الأقليات الدينية قد أيدت مشروع الفيدرالية، فالإيزيديون طالبوا بضم مناطقهم لإدارية اقليم كردستان، وطالبت بعض القوى المسيجية بتكوين اقليم فيدرالي صغير في سهل نينوى، وكذلك الأقليات العرقية الأخرى كالتركمان، الذين طالبت قوى منهم بضمان حقوقهم في اقليم كردستان، بينما سعت أطراف اخرى مرتبطة بتركيا لرفض هذه الصيغة رفضاً تاماً مقدمة حجج واهية في تعليل ذلك..

والفيدرالية صيغة إتحادية وليست صيغة إنفصال كما يروج لذلك البعض. لذلك فإن “البديل عن الفيدرالية هو الطغيان والاستبداد. اقصد طغيان احدى الفئات على جميع الفئات الاخرى وقمعها والاستئثار بثروة البلاد وسلطتها بشكل كامل او شبه كامل. وهذا ما كان حاصلا في العراق على مدار ثمانين سنة من تأسيس الدولة العراقية بعد الحرب العالمية الاولى على يد الانكليز (1921) فطيلة العهد الانكليزي، ثم ما يدعى بالعهد «الوطني» الذي تلاه كان العراق المركزي وغير الفيدرالي محكوما من قبل فئة واحدة هي العرب السنة. وهي فئة لا تشكل اكثر من عشرين بالمائة من عدد السكان. وهذا هو سبب اضطرابات العراق المتواصلة على مدار السنين. فتارة كانت الحكومة المركزية في بغداد توجه حملات الى الشمال لقمع الاكراد، وتارة كانت توجه حملات الى الجنوب لقمع الشيعة. ولهذا السبب فإن هذه الفئة هي وحدها التي ترفض النظام الفيدرالي الآن. ولذلك سبب واضح: فهي غير مستعدة لأن تتخلى عن امتيازاتها التاريخية. انها لا تقبل بأن تشاطرها الفئات الاخرى، ولأول مرة، حكم البلاد وثرواتها. وهذا موقف متشنج يضر بالعرب السنة انفسهم لأن العام تغير ولأن الناس اصبحوا سواسية في عهد الحداثة الكونية. ولهذا السبب فهم يتهمون الفيدرالية بالتقسيم والانفصال والخيانة!.. وهو فهم ضيق وخاطئ لكلمة الفيدرالية والحقيقة هذا النظام الحديث الذي تطبقه ارقى دول العالم: كالنمسا المؤلفة من تسع دول فيدرالية، والمانيا المؤلفة من ست عشرة ولاية او اقليما، وكل اقليم يشكل دولة مستقلة على المستوى الداخلي، وكندا المؤلفة من عشرة اقاليم مستقلة ذاتيا ومتحدة مع بعضها البعض في آن معا. وقل الامر ذاته عن استراليا المؤلفة من ست مقاطعات او دول، وبلجيكا المنقسمة الى ثلاثة اقاليم اساسية على الصعيد اللغوي. فواحد ناطق بالفرنسية، وثان ناطق بالهولندية، وثالث اصغر وهو ناطق بالالمانية”.

لكن اصرار العراقيين على تطبيق الأنموذج الفيدرالي الجديد هزّ أركان الأنظمة العربية وجيران العراق. حيث أن هذه الصيغة سوف تشجع الشعوب والأثنيات وابناء الأقليات الموجودة في المحيط العراقي لطلب نفس هذه الصيغة لضمان حقوقها المسلوبة، وكبديل عن النظام المركزي التوتاليتاري المعمول به الأن في معظم دول الجوار العراقي. ولعل محاربة الأنظمة الجارة للعراق الجديد ومحاولة عرقلة الأنموذج العراقي الحديث وإرسال طرود الموت والمقاتلين العرب للعراق بغية محاربة أهله يعود في أحد اسبابه لرفض هذه الدول لفكرة الفيدرالية العراقية.

وقد انبرت اقلام عربية كثيرة لتشويه الفيدرالية العراقية ونعتها بالأنفصال وتفكيك العراق، وتنفيذ أجندة غربية(الكرد) تارةً وإيرانية(الشيعة) طوراً، مما ساعد في تشويه هذا الأنموذج في نظر المواطنين العرب.وبعض الآراء تقول صراحة أن ” مشروع الفيدرالية في العراق هو بلاشك مشروع تقسيمي، مهما حاول البعض إضفاء صبغة جذابة عليه وإحاطته بذرائعية سياسية. ثمة مشكلة كردية في أقصي الشمال بلاشك، وهي مشكلة فشلت الدولة العراقية الحديثة في حلها، وساهم في تفاقمها بؤس القيادات القومية السياسية الكردية والتدخلات الأجنبية المتكررة، من القوي الغربية والاتحاد السوفييتي، إلي إيران الشاه والدولة العبرية. وقد آن الأوان، ربما، للتعامل مع المشكل الكردي، الذي أنهك العراق طوال عقود، تعاملاً جذرياً. فإما ان يقبل الاكراد بوحدة الدولة العراقية، وحدة نهائية وقاطعة، تضمن فيه حقوقهم القومية المعقولة، بدون التعدي علي حقوق الأكثرية القومية، أو ان يفاوضوا من أجل الانفصال الدائم والنهائي عن الوطن العراقي، وتحديد خط هذا الانفصال. ولكن الادعاء بان هناك مسوغات لفيدرالية شيعية هو ادعاء لتقسيم العراق علي أسس طائفية. إن كل الدول الحديثة في العالم، بما في ذلك تلك التي ولد فيها نظام الدولة الحديثة، هي دول متعددة الديانات والإثنيات. ولكن أحداً لا يدعو إلي تقسيم هذه الدول”.

دـ اللغة الرسمية:

تحدث دستور العراق عن لغة العراق الرسمية وقال أنها العربية والكردية. كما ضمّن الدستور اللغات المحلية، وقال أن للكل الحق في التعلم بلغاتهم في مناطقهم. كان لهذا القرار تأثير واضح على وضع الأقليات الدينية العراقية. حيث أن هذه المواد الدستورية اتاحت لها حق التعلم بلغاتها التي تمارس بها شعائرها الدينية كالكردية في حال الديانة الإيزيدية والسريانية في حال المسيحيين.

لكن مع ذلك لم يخف بعض الكتاب خوفهم على اللغة العربية وتراجع مكانتها مع هذا الأقرار الدستوري بالتعددية اللغوية في العراق الجديد. وانضم بعض الكتاب العراقيين إلى الكتاب العرب الخائفين على حال اللغة العربية في ظل الدستور الجديد. يقول الدكتور سيار الجميل” دعونا بالله عليكم نتأمل بروية وعمق هذا المبدأ الذي سيتضمنه دستور العراق. لقد حصر اللغة العربية في (الدولة) ولم يشيعها في (البلاد)، وهنا اعتقد ان البلاهة والغباء كان سببا في هذا التضمين، اذ ان اصحابنا كما يبدو لم يفرقوا بين معاني (الدولة) وتعريفها كمجموعة مؤسسات متغيرة تاريخيا وبين البلاد كوطن ثابت وعريق لم يتزحزح جغرافيا! وسيتكرر هذا الخلل المفجع في كل بنود الدستور. فالعربية المسكينة اصبحت لغة الدولة) وكأن المجتمع يتكلم بالسنسكريتية والهيروغليفية! وغدت اللغة الكردية لغة الاقليم) ولا ادري ما معنى لغة (لدى الحكومة الاتحادية). والاكثر فجيعة ان يتضمن الدستور اقرار المحافظات والاقاليم اتخاذ اية لغة رسمية اضافية باقرار غالبية سكانها ذلك.. وانني أسأل: ما المقصود بهذا النص الخطير؟ ومع احترامي لكل اللغات العريقة والمختلطة في العراق: ما الاقليم الذي يمكن ان يجعل لغته الرسمية تركمانية؟ او سريانية؟ او أرمنية؟ أو شبكية؟.. اللهم الا اذا اراد ابناء جنوب العراق العرب الاقحاح ان يغيروا لغتهم العربية كي يجعلوا اللغة الفارسية لغة رسمية لاقليمهم؟”.

وفي قرأتنا هذه توصلنا لعدة نتائج أثناء رصدنا لمكان ومكانة الأقليات الدينية في الدستور العراقي الجديد:

أولاً: أن الدستور العراقي الجديد يعتبر إنتصاراً كبيراً للأقليات الدينية والأثنية على أرض العراق منذ تأسيس الدولة العراقية بداية القرن الماضي. فرغم أن الدساتير السابقة تحدثت عن حقوق كل العراقيين وقالت “بالمساواة” و”إحترام المعتقدات الدينية” و”ضمان حرية العبادة”، إلا أن ذلك ظل ـ في الجانب الأكبرـ حبراً على ورق. حيث أن الأنظمة التي توالت على حكم العراق لم تطبق شيئاً من الدساتير التي أقترحتها، وعانت الأقليات الدينية والعرقية في البلاد الأمرّين جراء سياسة عنصرية وشوفينية طالت هذه الأقليات. وتطورت هذه السياسة في مرات عديدة لحروب ضد أبناء هذه الأقليات ومذابح أرتكبتها الدولة ضدهم: كحملات الأنفال ومذبحة حلبجة ضد الكرد، ومذبحة سميل عام 1933 م ضد المسيحيين الآشوريين.

ثانياً: إن ذكر الدستور للأقليات بالأسم صراحةً يعتبر سابقة في تاريخ الدساتير العراقية، ولربما كافة دساتير المنطقة العربية. وتوضيح الدستور لحقوق هذه الأقليات جنباً بجنب المادة التي تقول بضرورة إحترام الدين الإسلامي، الذي هو دين غالبية الشعب العراقي، وعدم سنّ قانون يعارضه، لهو إعتراف بهذه الأقليات وحقوقها وحرية ممارستها لطقوسها وعباداتها بدون قيد أو شرط.

ثالثاً: أن ذكر الأقليات بالأسم أعاد لها إعتبارها وأرجعّ صفة المواطنة العراقية لمعناها الحقيقي، حيث شعر أبناء هذه الأقليات بمواطنتهم العراقية، وأن دستور بلادهم ضمن حقوقهم بالكامل وتعهد بالمحافظة عليها، وحمايتها من كل إنتهاك. وهو الأمر الذي أعاد اللحمة الوطنية بين هؤلاء ومؤسسات بلدهم، وجعل من هؤلاء يشعرون بقيمتهم في العراق وتتقوى روابطهم بهذا الوطن أكثر فأكثر.

رابعاً: ضمان حقوق المواطنة بشكل كامل، والتخلص من مفاهيم مثل “الأكثرية” و”الأقلية” والتي أراد البعض تمريرها للحيلولة بين هذه الأقليات وحقوقها الدينية في العراق الجديد. لقد قفز الدستور على هذه الفقرة عندما ذكر الأقليات العراقية بالأسم وشدد على حقوقها وضرورة إحترام هذه الحقوق.

خامساً: مراعاة الدستور لمبدأ المساواة وإحترامه لحقوق الإنسان في إحترام عبادات وخصوصيات هذه الأقليات، ومنحها الحق في تسيير أمورها الدنيوية ومعاملات الأحوال الشخصية في مناطقها، حسب شرائعها المعروفة، بكل حرية.
سادساً: الأعتراف بالعراق بلداً “متعدد القوميات والأديان والمذاهب” ورؤيته “جزءاً من العالم الإسلامي، والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية”. وهو التعبير الأفضل والصيغة الأنسب لضمان حقوق كل أفراد وطوائف ومذاهب الشعب العراقي. فالعراق جزء من العالم الإسلامي لإنتماء اغلبية الشعب الساحقة للدين الإسلامي، والشعب العربي فيه للأمة العربية، والكرد ينتمون للأمة الكردية: بينما يعيش الجميع على أرض واحدة هي العراق.
سابعاً: أن ضمان الدستور لحق الأقليات في التعلم بلغاتها في المادة الرابعة، وفي كل المناطق التي يشكلون فيها كثافة سكانية، لهو بند آخر في مصلحة الأقليات يضمن لها بشكل رسمي الحق بتدريس ديانتها بلغتها القومية، كما الحال مع الإيزيديين والمسيحيين، حيث الطقوس والنصوص الدينية باللغتين الكردية والسريانية..
ثامناً: مراعاة التوزيع العادل في التوظيف في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية وبدون التفريق بين أبناء العراق، كما كانت عليه الحال عليه اثناء حكم النظام السابق. وكذلك وجوب “إحتواء علم العراق وشعاره ونشيده الوطني بما يرمز الى مكونات الشعب العراقي”. أي دون إقصاء أحد من هذه المكونات العرقية أو الدينية…
تاسعاً: المساواة أمام “القانون دون تمييز بسبب الجنس او العرق او القومية او الاصل او اللون او الدين او المذهب او المعتقد او الرأي او الوضع الاقتصادي او الاجتماعي” كما في النص الدستوري الحرفي.
عاشراً: دعوة الدستور لإنشاء إدارات أوقاف في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية العراقية تعني بشؤون الأقليات العراقية، وهو ماتم فعلاً، حيث باشرت هذه المديريات أعمالها من بغداد للعناية بشؤن اقليات العراق الدينية أسوة بأبناء الديانة الإسلامية، وهذا تطور جبار في صعيد نيل هذه الأقليات لحقوقها.

الدستور العراقي الجديد: تجربة فريدة وتحديات كبيرة:

ختاماً نعتقد أن الدستور العراقي انصف الأقليات الدينية العراقية وذلك بعد دهور من الظلم والتهميش طالت هذه الأقليات وشوهت من الوجه العراقي التعددي الجميل. وتبقى طريقة تطبيق الحكومات العراقية لهذا الدستور الذي أستفتى عليه الشعب العراقي وواقفوا عليه بأغلبية كبيرة. أن الحديث عن دين الدولة أي دين اغلبية أبناء العراق وهو الإسلام، وقول الدستور باحترامه وعدم وجوب معارضته في مواد قانونية لايعني البتة التقليل من مكانة الديانات العراقية برأينا. حيث أن هذه الديانات لها تشاريعها الخاصة التي حفظها الدستور ببنود واضحة. كما أن العراقيون بطبعهم ونتيجة العيش المشترك الطويل يكنون كل الأحترام إزاء عقائد بعضهم البعض. فمثلاً يكن الإيزيديون إحتراماَ خاصاً لآل بيت الرسول محمد. ومكانة كل من علي والحسن والحسين( عليهم السلام) كبيرة في الديانة الإيزيدية، وهذه الأسماء منتشرة بين الكرد الإيزيديين. وهكذا هي الحال مع اغلب الأقليات العراقية.

نقول في نهاية هذا البحث، أن التطبيق العملي لبنود الدستور العراقي النظرية يظل هو الأهم والمحك والقول الفصل في ذهابنا للقول أن هذه الأقليات نالت حقوقها بشكل كامل. ونحن نعرف أن الحكومة العراقية الحالية تبذل جهودها، لكن موجة الإرهاب وقتل أبناء الشعب العراقي تحول دون التطبيق الكامل والسليم لكل بنود الدستور المتفق عليها. كما هناك حاجة كبيرة لإعتناء الدولة ومؤسساتها بآثار هذه الأقليات ومراقدها الدينية المقدسة، بوصفها جزءاً من تراث العراق وشعبه. وكذلك تضمين مواد في المناهج التدريسية لإطلاع التلاميذ من أبناء كل العراق على تراث مواطنيهم، بوصفه تراثاً لكل العراق ووجوب إحترامه، كما يحترم كل العراقيين المراقد الشيعية المقدسة في النجف وغيرها. وذلك يقوي من ثقافة التسامح و قبول الآخر بين العراقيين. كذلك بث وسائل الأعلام العراقية لبرامج عن هذه الأقليات والتعريف بتراثها الديني والعقائدي يساعد على تقبل العراقيين الآخرين لحقوق مواطنيهم من أبناء هذه الأقليات، كما ويمنح هؤلاء بعضاً من حقوقهم في إعلام الدولة الرسمي، الذي يمثلهم..

وبقي ان نقول أن بحثنا يظل غير مكتملاً وذلك للحاجة لدراسة ميدانية بين أبناء هذه الأقليات في مناطقها، للإطلاع على رأيهم في الدستور العراقي، ومدى التقدم الذي تحقق لهم منذ صدور هذا الدستور، وإندحار النظام الشمولي السابق. وهناك كذلك الحاجة لدراسة قانونية مقارنة بين هذا الدستور ودساتير البلدان المتقدمة، من التي تحتوي اقليات دينية وعرقية مثل العراق، وتطبق الإنموذج الفيدرالي في الحكم.
كذلك كانت لشحة المصادر بين أيدينا التأثير الكبير في عدم إكتمال البحث وتحقيقه للأهداف التي توخيناها منه، لكننا أعتمدنا على مابين أيدينا من مصادر متوفرة إستقيناها من الشبكة العالمية للإنترنت: والتي تحولت ومنذ عدة أعوام لمصدر مهم للمعلومات حول العراق، وكذلك لساحة نقاش غني حول مجمل المشهد العراقي، وبين معظم العراقيين من أبناء كل الطوائف والديانات والأثنيات العراقية…

مصادر واشارات:

1- MaryKreutzer/Thomas Schmidinger: :Ein Überblick der historischen undgesellschaftlichen Entwicklung des Irak seite 13, Irak: Von der Repuplik derAngst zur bürgerlichen Demokratie? Cira Verlag,Freiburg 2004.
2ـ شمسة(د.سلمان) العراق والديمقراطية موقع (كتابات) العراقي على الشبكة العالمية للمعلومات الإنترنت.
3ـ عبود( زهير كاظم) النقاط المهمة في الدستور العراقي مجلة مقاربات العدد العاشر والحادي عشر ـ دمشق.
4ـ جوامير(محسن) كردستان العراق ـ موقع عفرين.نت 13/5/2005
5ـ مجموعة من المؤلفين النظرية العامة في القانون الدستوري والنظام الدستوري في العراق. وزارة التعليم العالي ص162.
6ـ الجميل (د.سيّار) الأقليات الدينينة في العراق، لماذا تضطهد؟ موقع الحوار المتمدن 15/7/2006
7ـ بطاطو(حنّا) العراق: الطبقات الإجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية. الكتاب الأول، ترجمة من الأنكليزية عفيف الرزاز.
8ـ الوندي(محمود) الصابئة المندائيين ومعاناتهم . موقع الحوار المتمدن 2/8/2006.
9ـ من كلمة للنائب جابر خليفة جابر في البرلمان العراقي ـ موقع الشبك.نت
10ـ علي غالب( حسين) حقوق المواطنة الأمر المطلوب في العراق ـ موقع الحوار المتمدن 18/12/2004
11ـ حقوق الأنسان: ويكيبيديا الموسوعة الحرةـ ويكيبيديا.أورغ
12ـ شعبان(د.عبدالحسين) معضلة الدستور العراقي ـ جريدة الحياة اللندنية 21/6/2005م.
13ـ نص الدستور العراقي الجديد.
14ـ شعبان(د.عبدالحسين) مسائل عقدية في الدستور العراقي. جريدة الحياة اللندنية 21/7/2005م.
15ـ د.الشكرجي(محمد سعيد) رسالة مفتوحة إلى جلال الطالباني والمؤتمرين في بغداد ـ موقع الجالية العراقية في سويسرا.
16ـ شعبان(د.عبدالحسين) مسائل عقدية في الدستور العراقي. جريدة الحياة اللندنية 21/7/2005م.
17ـ الفقي(د.مصطفى) عروبة العراق إلى أين؟ جريدة الحياة 24/6/2003م.
18ـ الربيعو( تركي) يا قوميي الوطن العربي إتحدوا. موقع الفكر العربي على شبكة الأنترنت.
19ـ حمو(طارق) درسات في قضية الكرد والديمقراطية. دار بافت للطباعة والنشر ألمانيا 2004م ص44.
20ـ صالح( هاشم) الفيدرالية في العراق: أرقى نظام سياسي في العالم صحيفة الشرق الأوسط عدد 27/8/2006م.
21ـ موسى نافع(د.بشير) دلالات مشروع الفيدرالية في العراق ونتائجه المحتملة جريدة القدس العربي عدد 25/8/2005م.
22ـ الجميل(د.سيّار) ملاحظات على نص هيئة كتابة الدستور في العراق. موقع بحزاني على سبكة الإنترنت.

Pin It on Pinterest